ترك برس

عاشت تركيا لعقود طويلة تحت وطأة نفسية الهزيمة التي تركت آثاراً عميقة في الوجدان الوطني. فرغم طرد الإنجليز والفرنسيين واليونانيين والإيطاليين بقوة الإيمان من أراضيها خلال حرب التحرير، فإن صدمة الانسحاب من ثلاث قارات والانكفاء داخل حدود الأناضول خلفت جراحاً غائرة. ومع انضمام الفقر والإمكانات المحدودة إلى شعور الهزيمة، تحول الحزن إلى أثر أكثر عمقاً وصدمة.

تقول الكاتبة بتول سويسال بوزدوغان في تحليل نشرته صحيفة «ستار» إنه «استمرت تأثيرات نفسية الهزيمة لعقود طويلة. كنا قد طردنا الإنجليزي والفرنسي واليوناني والإيطالي من أراضينا بقوة الإيمان في نضال التحرير، لكن صدمة الانسحاب من ثلاث قارات والانكفاء داخل الأناضول تركت آثاراً عميقة. وعندما انضمت مشاعر العدم والاستحالة إلى شعور الهزيمة، أصبح تأثير الحزن أكثر زلزلة».

وتضيف أن الأجيال اللاحقة اضطرت إلى ملاحقة التكنولوجيا من الخلف دائماً، مما صعّب تجاوز فقدان الثقة بالنفس في المجتمع. «ففي سباق العالم الواقعي لم نكن قادرين على كتابة قصة نجاح معاصرة. كنا نلاحق الغرب بتقدير متفائل بعشر سنوات على الأقل». وتستذكر الكاتبة فترات انتصر فيها الميدان لكن الطاولة خسرت، ومشاريع إنتاج الطائرات في الثلاثينيات والسيارات المحلية في الستينيات والهاتف المحمول المحلي في التسعينيات التي أُفسدت وأُخرجت من التداول.

غير أن المشهد تغير جذرياً بعد عام 2002 بقيادة أردوغان. وتصف بوزدوغان ذلك قائلة: «دخلت تركيا بقيادة أردوغان بعد عام 2002 مساراً مختلفاً تماماً. فُتح قفل كأنما، وانتهى الطالع السيئ للشعب». واستغرق الأمر حتى عام 2016 جهوداً كبيرة في فتح ملفات الهوية ومواجهة الوصاية. أما بعد 2016 فبدأ عهد سحق المنظمات الإرهابية والانفتاح الخارجي وإعادة بناء الثقة التاريخية بالنفس في الميدان وعلى الطاولة.

وتبرز الكاتبة نجاح الطائرات المسيرة التركية (السيها) كقصة تحول تاريخية: «نجاح السيها التركية كتب لأول مرة في تاريخ الجمهورية قصة انطلاقة لحقت بالغرب في الوقت نفسه، بل وتفوقت على أداء كثير من الدول الغربية. شكلت هذه القصة أثراً محفزاً، فقفزت تركيا في صناعة الدفاع قفزة نوعية. وغرس هذا الزخم الثقة في نفوس الأجيال الشابة، ونقل الإدراك من “نستطيع أن نفعل” إلى “نحن نفعل بالفعل”». وتؤكد أن النجاح الحاسم لأسراب السيها في الميدان مهد الطريق لدفن الإرهاب في صفحات التاريخ. كما أن الوقوف إلى جانب الدول الصديقة أسفر عن نجاحات ميدانية واضحة.

وتخلص بوزدوغان إلى أن المرحلة الراهنة هي مرحلة «تثبيت المكاسب الميدانية مع الطاولة معاً». وتقول: «دخلنا عصراً يتعرف فيه العالم كله على حقيقة تركيا المنتصرة في الميدان وعلى الطاولة معاً».

وتشير إلى تطورين مهمين وقعا أمس. الأول هو موافقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بين ليبيا وتركيا بشأن تحديد مناطق الولاية البحرية، بعد انتظار دام نحو سبع سنوات. وتؤكد أن هذا القرار يحمل أهمية كبيرة لتوازنات شرق المتوسط، إذ يستند إلى مبدأ التقاسم العادل ويتضمن حدود الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة التي تدافع عنها تركيا. ونقل رئيس الاستخبارات الوطنية إبراهيم كالين تهانيه إلى رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي صدام حفتر، بينما رحب حفتر بالقرار الذي اتُخذ بالإجماع. وقال النائب الليبي طارق الجروشي لوكالة رويترز: «قد تنزعج بعض الدول من هذا الاتفاق، لكن المهم بالنسبة لنا هو مصالحنا الوطنية». وأثارت التطورات رد فعل من الاتحاد الأوروبي، وخرجت عناوين في الإعلام اليوناني تقول «تركيا انتصرت مجدداً». وترى الكاتبة أنه في سياق عقيدة «الوطن الأزرق» لا يزال هناك الكثير مما يجب إنجازه، لكن هذا التطور أسقط خطة إسرائيل واليونان لإقصاء تركيا من شرق المتوسط.

أما التطور الثاني فهو تقديم مشروع قانون يتعلق باتفاقية تحالف مكة إلى رئاسة البرلمان التركي. وتوضح بوزدوغان أن تقديم مشروع قانون المصادقة على اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين تركيا والسعودية وباكستان يمثل أهمية في مأسسة التعاون الدفاعي الاستراتيجي بين الدول الثلاث. وضمن الاتفاق تبرز ثلاث نقاط: إنشاء «اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية» من وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان لتكون العمود الفقري المؤسسي للتحالف، على أن تجتمع مرتين على الأقل سنوياً باستضافة دورية، وألا تنسحب الأطراف من الاتفاق خلال السنوات العشر الأولى بعد دخوله حيز التنفيذ.

وتختم الكاتبة بالتمني أن تكون التطورات في ليبيا وعملية مأسسة تحالف مكة خيراً على المصالح العليا للبلاد.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!