ترك برس

أضحى تصاعد الأزمة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإيرانية الإسلامية أمرًا واضحًا للعيان وأصبحت شواهده شديدة الوضوح، لا سيما بعد قيام السعودية ومجموعة من الدول المساندة لها بقطع للعلاقات الدبلوماسية مع إيران. وكان قد نشبت الأزمة بين الطرفين على خلفية إعدام السعودية للناشط الشيعي "نمر النمر" إلى جانب 46 متهم أخرين بتاريخ 2 كانون الثاني/ يناير 2016،  بتهمة "الضلوع في أعمال إرهابية تُهدد أمن واستقرار المملكة العربية السعودية"، حسب وصف المسؤولين السعوديين.

وعلى الصعيد التركي، دعت الحكومة التركية على لسان الناطق الرسمي باسمها "نعمان كورتولموش" الطرفين إلى التعامل بحكمة وتروي والابتعاد عن التصرف كخصمين، لا سيما في ظل عدم احتمال المنطقة للمزيد من الاحتدام والاحتقان.

ومن جانبه، أعرب الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" عن حالة امتعاض شديدة أصابته جراء "الازدوجية" التي يتحلى بها المجتمع الدولي في وقتنا الحالي، مشيرًا إلى أن السعودية أعدمت 47 شخصًا 44 شخصا منهم سني و3 أشخاص شيعة، وانتفض العالم على ذلك على الرغم من إعلان السعودية "لضلوع هؤلاء في أعمال إرهابية، وقال: "أين العالم بأسره إزاء ما يحدث في مصر، حيث تصدر يوميًا آلاف أحكام الأعدام التعسفية، ولكن لا أحد يحرك ساكنًا ولو حتى مستنكرًا لهذه الأحكام".

وحسب الصحفية السياسية "هلال قبلان"، فإن عدم استنكار أحد لأحكام الإعدام التعسفية في مصر، يعود إلى سعي بعض الدول الغربية إلى صد رياح "الربيع العربي" باتجاه معاكس تنتج عنه نتائج سلبية للشعوب المنتفضة، لأن العديد من الدول الغربية ترى أن مصالحها في منطقة الشرق الأوسط لا يمكن أن تتم إلا من خلال وجود شخصيات دكتاتورية على سدة الحكم، والسيسي اليوم يُسدي لهم هذه الخدمة.

أما على صعيد الأزمة الإيرانية السعودية، فترى قبلان، في مقالها "تركيا والأزمة السعودية الإيرانية" أن الأزمة السعودية الإيرانية ليست وليدة اللحظة بل تعود عتباتها التاريخية إلى عام 1979، أي إلى تاريخ نجاح الثورة "الإسلامية الشيعية" في إيران، وإعلان نظام "ولاية الفقيه" الذي اعتبره المسؤولون السعوديون منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، من أكثر الأنظمة التي تُهدد أمنهم واستقرارهم.

وتتابع قبلان بالإشارة إلى أن الطرفين في حالة تنافس شديدة "ضمنية" منذ عام 1979 وحتى عام  2011 حيث انطلقت ثورات الربيع العربي لتفيض كأس التنافس بين الطرفين، وتزيد من حدة تنافسهم في عدة مناطق، فأصبح تنافسهم واضحًا في سوريا واليمن والعراق.

وفي سياق متصل، توضح قناة "بي بي سي ترك"، في تقريرها "الأزمة السعودية الإيرانية في سطور"، أن العنصر الأساسي الذي يشعل الأزمة السعودية الإيرانية هو "الخلاف المذهبي"، حيث تمثل إيران بنظامها  المذهب الشيعي الذي تسعى للتمدد داخل المنطقة من خلاله، وتمثل المملكة العربية السعودية المذهب السني الذي يمثل النسبة الأكبر في منطقة الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من استنكار الرئيس التركي ما اسماه "ازدوجية المجتمع الدولي" في التعامل بشكل موضوعي تجاه القضايا المتشابهة حول العالم، إلا أنه وبالاستناد إلى تصريحات المسؤولين الأتراك، يتضح بأن الموقف التركي تجاه الأزمة بين الطرفين "السعودي ـ الإيراني" يقف على الحياد ويحاول جاهدًا دعوة الطرفين لتجنب تصعيد الأزمة بينهم، لأن المنطقة أصبحت في حالة لا تحتمل إطلاقًا المزيد من الاحتقان.

وفي مقاله "ما بعد الأزمة السعودية الإيرانية"، يشير الدكتور الأكاديمي والمحلل السياسي "ساردار أردورماز"، الباحث السياسي في مركز التحليلات الاستراتيجية "توركسام"، إلى أن تركيا تحمل في طيات خططها الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط، نوايا حسنة لنشر المنهج الديمقراطي الصحيح في المنطقة وخاصة في الدول التي انتفضت في إطار "ثورات الربيع العربي"، وفي إطار هذه الخطط، يرى أوردورماز أن "تركيا تواجه تحديًا كبيرًا من السعودية وإيران اللتين تسعيان إلى جعل منطقة الشرق الأوسط "منطقة قطبية" ما بين القطب الشيعي والقطب السني".

ويضيف أردورماز أن اشتعال الأزمة بين الطرفين تعني المزيد من القطبية والمزيد من الاحتقان القطبي، لذا تحاول الحكومة التركية جاهدةً احتواء هذه الأزمة بين الطرفين، لأنها لا تريد المزيد من التحديات والعراقيل التي تعطل تقدم الخطط التركية المنشودة تجاه دول المنطقة.

ويؤكد الباحث التركي أنه لا يمكن لتركيا إطلاقًا أن تتخذ موقفًا مساندًا لطرف ما في المنطقة، لأن خسارة طرف على حساب طرف آخر تسبب لتركيا العديد من العوائق الاستراتيجية، لذا ستكون الدعوة لضبط النفس السياسة الأساسية لتركيا تجاه تطورات الأزمة بين إيران والسعودية.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!