حسناء جوخدار - ترك برس

يقع صهريج البازيليك (المعروف في التركية باسم Yerebatan Sarnıcı) في قلب إسطنبول التاريخية، بالقرب من منطقة السلطان أحمد، وهو أحد أكثر المعالم التاريخية إثارة للدهشة في المدينة. 

تحت الأرض مباشرة، وعلى عمق عشرات الأمتار، يمتد هذا الصرح المعماري الضخم الذي يجمع بين العبقرية الهندسية البيزنطية والغموض الأسطوري، ليشكل واحدًا من أبرز شواهد التاريخ المخفي تحت إسطنبول.

مدينة مياه تحت الأرض

تم بناء صهريج البازيليك في القرن السادس الميلادي خلال حكم الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول، في الفترة التي كانت فيها القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية. وكان الهدف من إنشائه تخزين كميات ضخمة من المياه لتزويد القصر الإمبراطوري والمباني المحيطة به، إضافة إلى ضمان احتياطي مائي للمدينة في حالات الحصار أو الجفاف.

يمتد الصهريج على مساحة تقارب 9800 متر مربع ويبلغ طوله نحو 138 مترًا وعرضه 65 مترًا، وهو قادر على تخزين ما يصل إلى 80 ألف متر مكعب من المياه. وكانت المياه تصل إليه عبر شبكة معقدة من القنوات والأقنية القادمة من غابات بلغراد شمال المدينة، مرورًا بقنوات مائية مثل قناة فالنس الشهيرة.

وتحيط بالخزان جدران سميكة يصل سمكها إلى نحو أربعة أمتار، مغطاة بطبقة عازلة للماء من الملاط الخاص، وهو ما ساعد على الحفاظ على هذا البناء لقرون طويلة.

غابة من الأعمدة الرخامية

عند النزول إلى الصهريج عبر درج يتكون من 52 درجة حجرية، يواجه الزائر مشهدًا أشبه بكاتدرائية غارقة في الظلال. فالسقف الضخم يحمل على 336 عمودًا رخاميًا يبلغ ارتفاع كل منها حوالي تسعة أمتار، مرتبة في 12 صفًا متناسقًا.

وتتميز هذه الأعمدة بتنوع طرزها المعمارية، إذ تضم تيجانًا من الطراز الكورنثي والأيوني، بينما يبدو بعضها بسيطًا. ويرجع ذلك إلى أن العديد منها جرى إعادة استخدامه من مبانٍ رومانية أقدم، وهو أمر شائع في العمارة البيزنطية التي كانت تعتمد على إعادة توظيف عناصر معمارية من آثار سابقة.

لغز رأسي ميدوسا

من أكثر عناصر الصهريج شهرة وغموضًا رأسا ميدوسا المنحوتان في قاعدة عمودين في أحد أركانه. ميدوسا هي شخصية أسطورية في الميثولوجيا اليونانية، كان يُعتقد أن نظرتها تحول البشر إلى حجر.

وضعت إحدى الرأسين مقلوبة والأخرى جانبية، ولا يزال السبب الحقيقي لذلك غير معروف حتى اليوم. وتشير بعض الروايات إلى أن هذه القطع الرخامية جُلبت من مبانٍ رومانية قديمة وأعيد استخدامها كقواعد للأعمدة. بينما تقول أسطورة أخرى إن وضعها بهذا الشكل كان محاولة “لإبطال قوة نظرة ميدوسا” الأسطورية.

عمود الدموع والأساطير

إلى جانب رأسي ميدوسا، يضم الصهريج عمودًا فريدًا يعرف باسم عمود الدموع أو العمود الباكي، ويتميز بنقوش تشبه قطرات الماء أو عيون الطاووس. ويرتبط هذا العمود بروايات تقول إنه يخلد ذكرى العمال والعبيد الذين توفوا أثناء بناء الصهريج.

ورغم أن هذه القصص لا تستند إلى أدلة تاريخية مؤكدة، فإنها أسهمت في تعزيز الهالة الأسطورية التي تحيط بالمكان.

من خزان ماء إلى متحف حي

ظل الصهريج يؤدي وظيفته المائية لقرون طويلة، حتى بعد الفتح العثماني للقسطنطينية عام 1453، حيث استمر في تزويد القصور بالمياه. ومع مرور الزمن تراجع استخدامه تدريجيًا، قبل أن يخضع لعدة عمليات ترميم.

شهد الموقع أولى عمليات الإصلاح الكبرى في العهد العثماني في القرن الثامن عشر خلال حكم السلطان أحمد الثالث، ثم جرت إصلاحات أخرى في عهد السلطان عبد الحميد الثاني.

وفي العصر الحديث، قامت بلدية إسطنبول بعملية تنظيف وترميم واسعة بين عامي 1985 و1987، أزيل خلالها أكثر من 50 ألف طن من الطمي، وتم إنشاء ممرات خشبية تسمح للزوار بالتجول داخله، ليفتتح بعد ذلك كمتحف عام 1987.

كما خضع الصهريج لعملية ترميم شاملة بين 2020 و2022 لتعزيز مقاومته للزلازل وتحسين بنيته المعمارية، قبل أن يعاد افتتاحه للجمهور.

تجربة حسية فريدة

اليوم، يتحول صهريج البازيليك إلى فضاء ساحر يمزج بين التاريخ والفن. فالإضاءة الخافتة المنعكسة على المياه الضحلة، وصدى الخطوات على الممرات الخشبية، وانعكاسات الأعمدة في الماء، تمنح الزائر إحساسًا وكأنه يسير في عالم خارج الزمن.

كما تعيش في المياه الضحلة أسماك الكارب التي تضيف إلى المكان طابعًا شبه أسطوري، بينما تُستخدم الإضاءة الحديثة والعروض الفنية لتعزيز التجربة البصرية داخل هذا الفضاء التاريخي.

حضور في السينما والثقافة الشعبية

لم يقتصر حضور الصهريج على التاريخ والسياحة فقط، بل أصبح أيضًا موقعًا سينمائيًا مميزًا. فقد استُخدم كخلفية لتصوير عدد من الأفلام العالمية، أبرزها أحد أفلام سلسلة جيمس بوند، إضافة إلى ظهوره في روايات وأعمال فنية معاصرة، مما عزز مكانته كأحد أكثر المواقع السينمائية تميزًا في إسطنبول.

ذاكرة إسطنبول الخفية

يُعد صهريج البازيليك أكبر صهريج من بين مئات الصهاريج القديمة التي تنتشر تحت إسطنبول، وهو شاهد على عبقرية الهندسة البيزنطية وقدرة المدن القديمة على إدارة مواردها المائية بطرق معقدة ومتطورة.

واليوم، لا يمثل هذا الصرح مجرد خزان ماء قديم، بل طبقة خفية من تاريخ إسطنبول؛ مدينة كاملة تحت الأرض، تحفظ بين أعمدتها وأساطيرها ذاكرة الإمبراطوريات التي مرت من هنا.

عن الكاتب

حسناء جوخدار

صحفية تركية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!