ليفنت إرسين أوراللي - ستار - ترجمة و تحرير ترك برس

يمثل مفهوم الناتو 3.0، الذي يُنتظر أن تتبلور ملامحه في قمة أنقرة، أوسع مراجعة للهندسة الأمنية منذ انتهاء الحرب الباردة. فبينما يحافظ الحلف على مفهومه التقليدي للدفاع الجماعي، فإنه مضطر، في ضوء الحقائق الجيوسياسية المتغيرة، إلى إعادة صياغة تعريفاته للتهديدات ووضعها على أرضية استراتيجية مشتركة بالنسبة إلى جميع الأعضاء.

واليوم، لا تتمثل المشكلة الأساسية التي يواجهها حلف شمال الأطلسي في نقص القدرات العسكرية، بل في تفكك الإدراك المشترك للتهديدات.

أكبر أزمة يواجهها الناتو هي انهيار مفهوم التهديد المشترك

خلال فترة الحرب الباردة، كان العنصر الذي يضمن الوحدة الاستراتيجية لحلف شمال الأطلسي واضحاً للغاية. فقد كان الاتحاد السوفييتي يُنظر إليه من قبل جميع الأعضاء بوصفه تهديداً مشتركاً ووجودياً. ولهذا السبب، كانت استراتيجية الردع وآليات اتخاذ القرار السياسي داخل الحلف تعمل بدرجة كبيرة من الانسجام.

أما اليوم، فقد اكتسبت البيئة الأمنية طابعاً أكثر تعقيداً وتعدداً في المستويات واختلافاً من منطقة إلى أخرى. ولذلك لم يعد الحلف يواجه تهديداً واحداً، بل أصبح يواجه في الوقت نفسه مخاطر أمنية متعددة ومختلفة عن بعضها البعض.

ولهذا السبب تحديداً، يهدف مفهوم الناتو 3.0 الأمني، المتوقع طرحه في قمة أنقرة، إلى إنشاء هرمية جديدة للتهديدات. فأصبحت السيطرة على حركات الهجرة غير النظامية، وحماية أمن إمدادات الطاقة، وتأمين البنى التحتية الحيوية، وضمان استمرارية عمل طرق التجارة البحرية، ومكافحة الإرهاب الدولي، وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة أساليب الحروب الهجينة، وتطوير آليات دفاع مشتركة ضد الهجمات السيبرانية، وأمن الفضاء، تُعد اليوم من بين المهام الأساسية للحلف.

وفي الوقت نفسه، تُعرَّف السياسات الروسية ذات الطابع التعديلي بوصفها تهديداً عسكرياً مباشراً وقصير المدى، بينما يُنظر إلى الصعود الاقتصادي والتكنولوجي والجيوستراتيجي للصين باعتباره تحدياً نظامياً متوسط وطويل الأمد.

روسيا... الصين... الهجرة... والإرهاب

ولا شك أن تحويل كل هذه الملفات إلى استراتيجية مشتركة يتطلب أولاً تقريب الأولويات الأمنية للدول الأعضاء من بعضها البعض، لأن تصورات التهديد داخل الحلف تختلف بصورة كبيرة تبعاً للجغرافيا.

فعلى سبيل المثال، لا تُعد روسيا بالنسبة إلى دول البلطيق وبولندا مجرد خطر أمني نظري، بل تهديداً عسكرياً مباشراً يُشعر به على حدودها. ولذلك تعتبر هذه الدول أن نشر المزيد من القوات على الجناح الشرقي للحلف، وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي، وزيادة قدرات الردع، يمثل أولوياتها الأمنية الأساسية.

في المقابل، لا يُشعر بتهديد روسيا بالدرجة نفسها في دول مثل البرتغال أو إسبانيا أو آيسلندا. فدول جنوب أوروبا تركز بدرجة أكبر على قضايا الهجرة غير النظامية، وأمن البحر المتوسط، وعدم الاستقرار في شمال أفريقيا، وأمن الطاقة، والإرهاب.

وبالمثل، يتشكل جدول الأعمال الأمني لتركيا حول قضايا التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، والهجرة غير النظامية، وأمن البحر الأسود، والتنافس على الطاقة في شرق البحر المتوسط، وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

وعليه، فإن حلف شمال الأطلسي لا يقتصر دوره اليوم على إعداد خطط عمليات مشتركة فحسب، بل أصبح مسؤولاً أيضاً عن إنتاج لغة مشتركة للتهديدات. فاختلاف تعريفات التهديد يُعد أحد أهم العوامل التي تضعف رد الفعل الدفاعي المشترك. وعندما يرى أحد الأعضاء أن خطراً ما يمثل أولوية قصوى، بينما ينظر إليه أعضاء آخرون على أنه مسألة ثانوية أو غير مهمة، فإن ذلك يؤثر بصورة مباشرة في التضامن السياسي داخل الحلف.

وهذا الواقع يؤدي إلى إبطاء عمليات اتخاذ القرار ويحد من القدرة على التحرك الجماعي في أوقات الأزمات.

بداية قرن جديد للأمن

وهنا بالضبط يظهر الهدف الأكثر أهمية لمفهوم الناتو 3.0. فالمفهوم الجديد يهدف إلى إخراج التهديدات الأمنية من إطار الأولويات الإقليمية وتحويلها إلى إطار استراتيجي مشترك يمكن لجميع الأعضاء الاتفاق عليه.

وبعبارة أخرى، يتحول الحلف إلى منظومة أمنية تقوم على تقييم المخاطر بصورة مشتركة، وتعريف التهديدات بصورة موحدة، وتطوير القدرات الجماعية على هذا الأساس.

وتتجلى الأهمية التاريخية لقمة أنقرة في هذه النقطة تحديداً، لأن القرارات التي ستُتخذ خلالها ستسهم أيضاً في إعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه.

ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد الحروب تُحسم بالدبابات والصواريخ فقط، بل أصبحت خطوط الطاقة، وشبكات البيانات، والموانئ، وممرات التجارة البحرية، والبنى التحتية الحيوية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، والقدرة المجتمعية على الصمود، أجزاءً لا تنفصل عن مفهوم الردع.

وسيكون العامل الأساسي الذي سيحدد مستقبل حلف شمال الأطلسي ليس حجم القوة العسكرية التي يمتلكها، بل قدرته على إعادة بناء إدراك مشترك للتهديدات بين أعضائه.

فإذا نجحت قمة أنقرة في إضفاء الطابع المؤسسي على هذا المنظور الأمني المشترك، فإن الناتو 3.0 سيدخل التاريخ بوصفه هندسة أمنية جديدة تستجيب لاحتياجات النظام الدولي المتغير.

أما إذا استمرت اختلافات تعريف التهديدات داخل الحلف، فإن قدرة هذا التحالف على إنتاج ردع فعال في بيئة أمنية عالمية تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم ستصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!