ترك برس

تشهد أوروبا تحولات سياسية عميقة ناجمة عن حرب أوكرانيا التي وضعت القارة بين ضغوط اقتصادية وعسكرية مزدوجة من روسيا والولايات المتحدة، مما أفرز تصدعات اجتماعية وسياسية. وفي هذا السياق، تتناول الكاتبة نور أوزكان إرباي في مقال بصحيفة "يني شفق" كيف امتدت هذه التداعيات إلى المملكة المتحدة، التي خرجت رسمياً من الاتحاد الأوروبي عبر بريكست، لكنها لم تحقق الآمال المرجوة، سواء في الجانب الاقتصادي أو الأمني أو في تعزيز موقعها العالمي.

تشير إرباي إلى أن التكلفة السياسية للحرب لم تقتصر على الدول القارية، حيث شهدت العديد من الدول الأوروبية صعود أحزاب اليمين المتطرف ذات الخطاب القومي والحمائي والمعادي للاتحاد الأوروبي. وفي ألمانيا وفرنسا تحديداً، تشهد هذه الأحزاب ارتفاعاً ملحوظاً في التأييد، مما يفتح الباب أمام احتمالات مشابهة لبريكست مثل "فريكست" أو "ديكسيت" إذا وصلت إلى السلطة منفردة. 

أما بريطانيا، التي انفصلت سياسياً عن القارة، فلم تجد ما كانت تأمله من الحرب أو من بريكست نفسه، بل عانت من عدم استقرار سياسي حاد تمثل في تغيير ستة رؤساء وزراء منذ استفتاء 2016، وأربعة منذ الخروج الرسمي عام 2020، مع حكومات قصيرة الأمد لم تتجاوز السنتين في أغلب الحالات، بما في ذلك فترة ليز تراس التي لم تدم سوى 49 يوماً.

وتوضح الكاتبة أن آمال لندن في بناء علاقات عبر أطلسية أقوى مع واشنطن بعيداً عن "القوس الأوروبي" لم تتحقق، إذ لم تنسجم أي حكومة بريطانية مع إدارة دونالد ترامب في ولايته الأولى أو الثانية. ورغم أن زيارة الملك تشارلز الأخيرة إلى واشنطن بدت فرصة لإعادة بناء "الشراكة الخاصة"، إلا أن رد الملك على نكات ترامب الاستهزائية بأوروبا خلال عشاء البيت الأبيض في أبريل الماضي، ساهم في تعميق التوترات. 

وزاد الأمر تعقيداً تصريح ترامب خلال زيارته إلى دبلن هذا الأسبوع بدعمه لفكرة أيرلندا الموحدة، وهو موقف يخالف الحياد الأميركي التقليدي منذ اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، الذي توسط فيه بيل كلينتون وجورج ميتشل. وقد لاقى التصريح ترحيباً من القوميين الأيرلنديين وحزب شين فين، بينما قلب كل التقاليد الدبلوماسية بين واشنطن ولندن رأساً على عقب.

وفي الوقت نفسه، أثارت قرارات بريطانية أخرى غضب إسرائيل، حيث أعلن وزير الخارجية إد ميليباند قراراً مشتركاً مع 12 دولة بقطع العلاقات الاقتصادية مع المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، وهو ما لم تواجهه إسرائيل من قبل بهذا الشكل الجماعي من الغرب، مما قد يدفع اللوبيات الإسرائيلية في واشنطن ولندن إلى التحرك. 

وتضيف إرباي أن بريطانيا تواجه الآن توتراً سياسياً إضافياً في "حديقتها الخلفية"، حيث عقدت قمة كلتية تزامنت مع زيارة ترامب، أعلن فيها قادة اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، للمرة الأولى في تاريخ المملكة، مطالبتهم بالاستقلال دفعة واحدة، مؤكدين أن "عهد وستمنستر انتهى" ودعوا لندن إلى إجراء التعديلات الدستورية اللازمة.

وتشترك هذه الحكومات في رفض النماذج الاقتصادية البريطانية والرغبة في العودة إلى الاتحاد الأوروبي. وتشير استطلاعات حديثة إلى أن نسبة التأييد للاستقلال تبلغ نحو 47% في اسكتلندا و36% في أيرلندا الشمالية و32% في ويلز في حال إجراء استفتاء فوري، مع استقرار الدعم الاسكتلندي بين 45 و50% منذ 2014، وارتفاع ملحوظ في ويلز وأيرلندا الشمالية. 

ويخطط حزب شين فين لاستفتاء الوحدة بحلول 2030، بينما يسعى الحزب الوطني الاسكتلندي إلى استفتاء ثانٍ خلال السنوات الخمس المقبلة. غير أن صلاحية إجراء الاستفتاءات تبقى بيد برلمان المملكة المتحدة، مما يتطلب تغييراً دستورياً، وهو ما تطالب به قمة كارديف. أما رئيس الوزراء أندي بورنهام، فيصف هذه المطالب بأنها "خارج جدول الأعمال"، مركزاً على القضايا الاقتصادية بدلاً من الدستورية.

وترى إرباي أن هذه التطورات تزيد الضغوط السياسية على الحكومة في داونينغ ستريت. فرغم قدرتها حالياً على رفض مطالب الاستقلال، إلا أن استمرار تكاليف بريكست وحرب أوكرانيا الاقتصادية والسياسية قد يجعل الوضع القائم أكثر هشاشة في المستقبل، سواء من الداخل أو من الخارج.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!