
ترك برس
لم تقتصر صلاحيات القاضي في الدولة العثمانية على الفصل في النزاعات وإصدار الأحكام، بل امتدت إلى إدارة الشؤون البلدية والمحلية، في نظام جمع بين الوظائف القضائية والإدارية قبل التحولات التي شهدتها مؤسسات الدولة خلال عصر التنظيمات الذي بدأ عام 1839.
وتكشف مشاهدات الرحالة أوليا جلبي في كتابه «سياحتنامه» عن المكانة الواسعة التي شغلها القضاة في المدن والأقضية العثمانية، حيث تولوا مسؤوليات متعددة شملت تطبيق القوانين وتنظيم شؤون السكان والإشراف على جوانب من الإدارة المحلية.
وكان القاضي، بحسب النص، ينظر في الدعاوى القضائية قبل الظهر، ثم يتفرغ بعد ذلك لمتابعة المسائل البلدية، في صورة تعكس تداخل الوظائف الإدارية والقضائية ضمن مؤسسات الحكم التقليدية.
وامتد هذا النموذج إلى الوحدات الإدارية الأصغر، إذ تولى القاضي الصغير المعروف باسم «نائب» شؤون الناحية، وجمع بين مسؤوليات القضاء والإدارة المحلية.
أما قاضي القضاء فكان يؤدي مهاما قريبة من مهام القائم مقام ورئيس البلدية إلى جانب اختصاصاته القضائية، بينما حمل القضاة في مراكز الألوية والإيالات لقب «مُلا».
واعتمد القضاء العثماني في القضايا الجزائية والدعاوى العامة على الفقه الحنفي، إلى جانب القوانين والأوامر السلطانية الصادرة باسم السلطان.
ويشير النص إلى أن تنفيذ العقوبات كان يستلزم صدور حكم قضائي، مع وجود ترتيبات خاصة بالقضايا المتعلقة بأمن الدولة، التي تدخل ضمن اختصاصات السلطات الإدارية والعسكرية العليا.
وكانت الأحكام القضائية تنفذ عادة بصورة مباشرة، باستثناء أحكام الإعدام، التي تطلب تنفيذها عرض الحكم على أمير اللواء أو والي الإيالة، باعتبار أن القاضي لا يمتلك صلاحية إصدار أمر التنفيذ بنفسه.
وتبرز القاهرة نموذجا مهما لمكانة القضاء في الإدارة العثمانية، إذ كانت من أكبر مدن الإمبراطورية وأكثرها أهمية، وعُرف قاضيها باسم «مصر قاضيسي» أو «مصر أفنديسي».
ويذكر النص أن أول من تولى منصب قاضي مصر في العهد العثماني كان كمال باشزاده أحمد شمس الدين أفندي عام 1517، الذي أصبح لاحقا شيخ الإسلام، وترك مؤلفات عديدة بالعربية والفارسية والتركية.
وضمت المؤسسة القضائية في القاهرة، وفق الوصف الوارد، مئة موظف ومئة خادم وثلاثمئة محضر، إلى جانب مستشارين يمثلون المذاهب الفقهية الأربعة.
كما احتفظت المحاكم بسجلات ووثائق متراكمة، بما يعكس أهمية التوثيق القضائي والإداري في إدارة شؤون المجتمع.
وتكشف هذه التفاصيل أن القضاء كان إحدى الركائز الرئيسية للحكم المحلي في الدولة العثمانية، وأن القاضي تجاوز دور الفصل في الخصومات ليصبح شخصية أساسية في تنظيم حياة المدن وإدارة شؤون السكان، قبل أن تتجه الإصلاحات الحديثة نحو الفصل التدريجي بين المؤسسات القضائية والإدارية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!








