رسول طوسون - ستار - ترجمة وتحرير ترك برس

لم أرغب في الكتابة عن القمة الـ13 لمنظمة الدول التركية، التي عُقدت في أنقرة، قبل الاطلاع على البيان الختامي الصادر عنها.

وبعد قراءة البيان الختامي للقمة، التي تصدّر فيها الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف المشهد بسبب عدم مشاركته وإرساله وزير خارجيته بدلاً منه، يمكن القول إنها لم تكن بالفاعلية التي أوحت بها الأصداء التي رافقتها.

نعم، صدرت عن الجانب الأذربيجاني ردود فعل يصعب استيعابها، ولا تزال مستمرة حتى الآن!

لكن أذربيجان لم تنسحب من منظمة الدول التركية، بل شاركت في القمة عبر إرسال وزير خارجيتها، والأهم من ذلك أنها وقّعت على إعلان أنقرة.

ومن يقرأ البيان الختامي سيرى بسهولة أيضاً أن عدم مشاركة الرئيس لم يلحق أي ضرر بالمنظمة.

وبعيداً عن العبارات الاستفزازية، وإذا أردنا النظر إلى الجانب المضيء من الصورة والتحدث بحسن ظن، فينبغي القول إن علييف ردّ بالمثل على الرئيس أردوغان؛ إذ إن الرئيس أردوغان لم يذهب إلى الدعوة التي وُجهت إليه عام 2024، وأرسل نائبه بدلاً منه، كما أرسل وزير خارجيته إلى الاجتماع الذي عُقد في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وردّت أذربيجان على ذلك بإرسال وزير خارجيتها هذه المرة. وينبغي إغلاق هذا الملف بالقول إن مثل هذه المعاملة بالمثل كانت دائماً قائمة بين الدول.

وفي الواقع، أبدى الرئيس أردوغان والوزير فيدان، بصفتهما الممثل الرسمي والمسؤول عن البلاد، مرونة دبلوماسية، واختارا احتواء الموقف وعدم السماح بتضخيم المسألة.

أما الرسالة التي بعث بها الرئيس أردوغان إلى علييف أثناء مروره عبر المجال الجوي الأذربيجاني في طريقه إلى كوريا، فقد كانت مليئة بعبارات تعزز الأخوة والتعاون!

ومن مصلحة البلدين أيضاً تقييم تهنئة علييف بمناسبة عيد الجمهورية في هذا الاتجاه.

ومن ناحية أخرى، سيتضح عند قراءة إعلان أنقرة أن عدم مشاركة علييف لم يؤثر إطلاقاً في سير عمل المنظمة، بل على العكس، سيُفهم أن أذربيجان عضو قوي في منظمة الدول التركية.

وقد تضمن القسم التمهيدي من الإعلان عبارات من شأنها إزالة المخاوف المحتملة لدى جميع الأعضاء.

ومن الأمثلة على ذلك النص الآتي: «نجدد تأكيد عزمنا على تعزيز المبادئ المتعلقة باحترام أمن الدول الأعضاء واستقرارها وسيادتها وسلامة أراضيها، وعدم المساس بحدودها الدولية، ودعم هذه المبادئ، وذلك وفقاً لميثاق الأمم المتحدة والقواعد والمبادئ المعترف بها عالمياً في القانون الدولي، ولا سيما مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية».

كما أن رئيس دولة عضو لم يشارك في القمة، لكن رئيسي تركمانستان وقبرص التركية، بصفتهما دولتين مراقبتين، شاركا فيها على مستوى الرئاسة.

أما الادعاءات القائلة إن أذربيجان لن تدعم مرشح تركيا لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، فإن المادة السادسة من إعلان أنقرة تدحضها بوضوح.

فضلاً عن ذلك، تنص المادتان العاشرة والحادية عشرة من الإعلان على الاتفاق على التحرك المشترك في التصويتات الدولية.

والحقيقة أن إعلان أنقرة يُظهر أن منظمة الدول التركية ليست كياناً عادياً، وأنها تقوم على أساس التعاون والتضامن في جميع المجالات تقريباً، وهو ما يستوجب توجيه الشكر إلى كل من أسهم في إنجازه.

كما أن المبادئ الواردة في القسم التمهيدي من الإعلان، المؤلف من 163 مادة، تكتسب أهمية بالغة أيضاً من حيث إظهار مدى رسوخ جذور المنظمة.

وقد جرى تناول المواد الـ163 ضمن ستة عناوين رئيسية.

وتندرج 30 مادة تحت عنوان «التعاون في مجالات السياسة والسياسة الخارجية والأمن»، ويُلاحظ أن كل مادة منها تهدف إلى تعزيز تضامن الدول الأعضاء وحماية مصالحها.

وتتضمن المواد بنوداً تعزز التعاون في شتى المجالات تقريباً، بدءاً من الأبجدية المشتركة وقبرص، مروراً بغزة وأفغانستان وسوريا، وصولاً إلى مكافحة الإرهاب والأمن السيبراني.

وتنص المادة الخامسة والعشرون على ما يلي: «جددنا تأكيد التزاماتنا بالتعاون في مكافحة جميع أشكال العنصرية والتمييز وكراهية الأجانب ومعاداة الإسلام وخطاب الكراهية والتضليل الإعلامي، وتنسيق جهودنا في المنصات الدولية لمكافحة هذه الظواهر».

أما القسم الأطول، فيضم 75 مادة تتعلق بمجال «التعاون الاقتصادي والقطاعي». ولا يكاد يخلو هذا القسم، الذي يمتد من المادة 31 إلى المادة 106، من أي موضوع.

فهناك محتوى يشمل الحياة الاقتصادية بأكملها، بدءاً من مذكرة التفاهم بين منظمة الدول التركية ومنظمة الأمن الغذائي الإسلامي، وصولاً إلى مشروع بطاقة المتاحف المشتركة.

ويكتسب هذا القسم أهمية أيضاً من حيث إظهاره مدى قوة البنية التي تتمتع بها منظمة الدول التركية.

ويضم قسم «التعاون بين الشعوب» (من المادة 106 إلى 147) 41 مادة، وقسم «التعاون المؤسسي في العالم التركي» (من المادة 147 إلى 153) ست مواد، وقسم «التعاون مع الأطراف الخارجية» (من المادة 154 إلى 157) ثلاث مواد، فيما يضم قسم «المسائل المتعلقة بالمنظمة» (من المادة 158 إلى 163) خمس مواد.

والحقيقة أن هذا العمود لا يتسع لتقييم البيان بأكمله بصورة مستفيضة، لكن يمكننا القول بوضوح إن الطرف الذي يبتعد عن هذا الاتحاد سيكون الخاسر بلا شك.

فالعضو الذي ينأى بنفسه عن منظمة الدول التركية، التي انتقلت رئاستها الدورية إلى تركيا، سيكون الطرف الخاسر سياسياً واقتصادياً، وكذلك في سياق العلاقات الدولية!

ولا يمكن الوصول إلى غير هذه القناعة بعد قراءة إعلان أنقرة!

لكن من المؤكد أن هناك جهات ستسعى إلى الإضرار بهذه المنظمة القوية، ولذلك ينبغي التحلي باليقظة واتخاذ التدابير اللازمة!

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس