
ترك برس
في ظل التحولات السياسية التي تشهدها الساحة السورية، ومع بروز تفاهمات جديدة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يبرز تساؤل حول موقع المجلس الوطني الكردي ودوره في المرحلة المقبلة، بين دعوات الحوار الوطني، وتحديات التمثيل السياسي، ومساعي ضمان الحقوق الكردية ضمن إطار سوريا موحدة.
وقال المتحدث الرسمي باسم المجلس الوطني الكردي فيصل يوسف إن المجلس يُعدّ أحد الأطر السياسية الكردية الأساسية في سوريا، وقد تشكّل في لحظة مفصلية من تاريخ البلاد مع انطلاق الثورة عام 2011، بهدف تنظيم الحضور السياسي الكردي ضمن المشروع الوطني العام، والدفاع عن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في إطار دولة ديمقراطية تعددية لامركزية.
وأوضح أن أهميته تنبع من كونه مظلة سياسية تضم عددا من الأحزاب والقوى الكردية السورية ذات الامتداد المجتمعي والسياسي منذ عقود، وتسعى للتعبير عن تطلعات شريحة واسعة من أبناء الشعب الكردي المؤمنين بالنضال السياسي السلمي، وبالشراكة الوطنية، وبأن القضية الكردية جزء أصيل من القضية السورية الشاملة، بحسب ما نقلته شبكة الجزيرة القطرية.
وشدد يوسف على أن تمثيل الكرد السوريين لا يمكن أن يكون حكرا على طرف واحد، بل يجب أن يستند إلى التعددية والشراكة والتوافق الوطني الكردي العام. وأكد أن المجلس دعا على الدوام إلى وحدة الموقف الكردي، وأن قضيتهم ليست حالة طارئة أو عابرة، بل تاريخية تعود إلى مرحلة تأسيس الدولة السورية.
محطة حساسة
يُشار إلى أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني استقبل، في 2 فبراير/شباط الحالي بالعاصمة دمشق، وفدا من المجلس الوطني الكردي برئاسة محمد إسماعيل.
وقالت وزارة الخارجية في بيان لها إن اللقاء شدد على وحدة وسلامة الأراضي السورية، ورفض أي مشاريع أو طروحات تمس سيادة البلاد أو تهدد وحدتها، وإن الشيباني أكد التزام الدولة بحقوق المواطنين الكرد ومبدأ المواطنة المتساوية، بما يضمن الحفاظ على الخصوصية الثقافية والاجتماعية لهم ضمن إطار الدولة السورية الموحدة.
من جهته، رحّب وفد المجلس بمرسوم الرئيس أحمد الشرع رقم 13 بشأن حقوق أكراد سوريا، معتبرا إياه خطوة مهمة على طريق إنصافهم وضمان حقوقهم، وتعزيز المشاركة الوطنية في صياغة مستقبل البلاد.
وحول مستقبل المجلس في ظل الأحداث الأخيرة، بما فيها الاتفاق بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، اعتبر يوسف أن هذه التطورات تشكل محطة سياسية حساسة تتطلب تعاطيا وطنيا مسؤولا بعيدا عن الحسابات الضيقة، وبما يفتح المجال أمام مقاربة شاملة لمعالجة مختلف القضايا الوطنية، وفي مقدمتها القضية الكردية.
وأضاف أن هذه المرحلة الانتقالية تكتسب خصوصية استثنائية لكونها تأتي في سياق ما بعد إسقاط النظام السابق، وهو تحول تاريخي مفصلي يفرض على جميع السوريين العمل على إنجاحها عبر الحوار والتعاون، وإزالة إرث هذا النظام وما خلّفه من انقسامات مجتمعية عميقة على أكثر من صعيد.
وأكد أن أي حوار وطني مع دمشق يجب أن يكون شاملا ومسؤولا، ويستند إلى ضمانات دستورية واضحة تكفل الحقوق القومية والثقافية واللغوية للشعب الكردي، ضمن إطار سوريا موحدة لا مركزية ومتعددة القوميات والثقافات، وبما يعالج جوهر قضيتهم معالجة جذرية.
مراحل التأسيس
وأوضح المتحدث فيصل يوسف أن المجلس الوطني الكردي تأسس في أكتوبر/تشرين الأول 2011، "برعاية إقليم كردستان العراق، وفي ظل الحاجة إلى إطار سياسي كردي موحد يعبر عن تطلعات الشعب الكردي في الحرية والكرامة والحقوق القومية ضمن سوريا ديمقراطية لا مركزية"
وأشار إلى أن مسيرة المجلس مرت بعدة مراحل رئيسية:
- مرحلة التأسيس بين عامي 2011 و2012: حيث انصبّ التركيز على توحيد الصف السياسي الكردي والانخراط في الحراك الوطني السوري.
- مرحلة التحديات الميدانية بين 2013 و2015: اتسمت بتعقيدات الواقع العسكري والإداري في المناطق الكردية، وما رافقها من تضييق سياسي وغياب بيئة تعددية كاملة.
- مرحلة ما بين عامي 2016 و2020: تعزيز الانخراط السياسي والدبلوماسي للمجلس ضمن مؤسسات المعارضة السورية، والسعي إلى تثبيت القضية الكردية ضمن مسار الحل السياسي وفق المرجعيات الدولية.
- المرحلة الراهنة منذ عام 2021 وحتى اليوم: يعمل المجلس على تعزيز وحدة الموقف الكردي والانفتاح على مسار وطني شامل يفضي إلى حل سياسي عادل ومستدام.
وفيما يتعلق بإمكانية أن يكون المجلس بديلا سياسيا للكرد السوريين في المرحلة المقبلة، أكد يوسف أن المرحلة القادمة تتطلب تعزيز الدور السياسي والمدني، وإعادة الاعتبار للعمل المؤسساتي الديمقراطي بوصفه السبيل الأمثل للتعبير عن تطلعات الشعب الكردي.
وأوضح أن أي تمثيل كردي مستقبلي يجب أن يقوم على التعددية واحترام التنوع داخل المجتمع الكردي، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية عبر آليات ديمقراطية حقيقية، والشراكة الوطنية السورية الجامعة، والانتقال من منطق القوة العسكرية إلى منطق الحل السياسي والدستوري.
وشدد على أن المجلس يرى نفسه مؤهلا للقيام بدور وطني كردي فاعل انطلاقا من اقتناع راسخ بأن الحقوق القومية لا تُصان إلا عبر مشروع سياسي ديمقراطي متوافق عليه، وفي إطار سوريا موحدة تضمن المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين جميع مكوناتها.
وأكد أن القضية الكردية جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري، وأن الوصول إلى حل عادل ومستدام يتطلب شراكة سياسية حقيقية ووحدة الموقف الكردي، وانخراطا جديا في مسار الحل السياسي الوطني الشامل، بما يضمن الحقوق والحريات لجميع السوريين دون استثناء.
تحديات
من جهته، قال الصحفي والمحلل أحمد مظهر سعدو للجزيرة نت إن أحزاب المجلس كانت تضم في السابق قوى سياسية عريقة ومتجذرة في الشارع الكردي، وأكثر عمقا وتأثيرا في مراحل سابقة، "غير أن المشكلة الأساسية برزت خلال فترة الدعم الأمريكي لـ"قسد"، وخاصة لحزب الاتحاد الديمقراطي، حيث انتقل الثقل المدّي والنفعي داخل الشارع الكردي باتجاه هذه القوى، نتيجة امتلاكها إمكانيات مالية ورواتب منتظمة".
وأضاف أن هذا الواقع أدى إلى تهميش أحزاب المجلس الوطني الكردي، وحوّلها في بعض الأحيان إلى أحزاب ملاحَقة داخل المناطق التي كانت تسيطر عليها "قسد"، الأمر الذي أفقدها القدرة على التأثير والحضور الفعلي.
لكن سعدو يرى في المقابل أن هناك إمكانية حقيقية لإعادة تأسيس وتجذير الحالة السياسية الكردية خارج إطار "قسد"، ضمن إطار المجلس وأحزابه في حال فُسح المجال أمام انتخابات ديمقراطية حقيقية، "بعيدا عن سطوة المال والسلاح التي يتمتع بها الحزب، مما قد يسمح بتوسيع رقعة التأثير السياسي للمجلس".
وبخصوص التحديات التي تواجه المجلس، قال إن أبرزها التساؤل حول قدرته على أن يكون فاعلا ومؤثرا داخل الائتلاف الوطني السوري المعارض، "خاصة في ظل التراجع الكبير الذي أصاب سمعة الائتلاف خلال السنوات الأخيرة، وعدم قدرته على تمثيل حالة سياسية مؤثرة، مما أدى إلى ابتعاد شريحة واسعة من السوريين عنه".
كما أشار إلى "سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي على مناطق شمال وشرق سوريا، وإشكالية العلاقة مع تركيا، إذ إن ارتباط بعض قوى المجلس بعلاقات جيدة مع أنقرة انعكس سلبا في بعض الأحيان على صورته داخل المجتمع الكردي".
ولفت سعدو إلى أن النقاشات المتعلقة بالفدرالية أو الانفصال أو شكل الدولة السورية، أثّرت أيضا في صورة المجلس، حيث كان يُنظر إلى بعض قواه على أنها أكثر حدّة في هذا الطرح مقارنة بالاتحاد الديمقراطي، الذي يعتبره البعض أقل اندفاعا عمليا في هذا الاتجاه على أرض الواقع.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











