حسناء جوخدار - ترك برس

في قلب إسطنبول، حيث تتقاطع طرق التاريخ بالتجارة، ينبض البازار الكبير بالحياة كواحد من أكثر الأماكن سحراً وازدحاماً في العالم. هنا، لا تقتصر التجربة على التسوق فحسب، بل تتحول إلى رحلة حسية وثقافية تغمر الزائر في تفاصيل تمتد لقرون، حيث تختلط الألوان الزاهية بروائح التوابل، وأصوات الباعة بنداءات المساومة، في مشهد يكاد يكون لوحة حية من الزمن العثماني.

من شرائط الحرير إلى السجاد المزخرف، ومن أقداح الشاي التركية الرقيقة إلى المصابيح العثمانية المزخرفة، تعد الأزقة المليئة بالفوانيس في البازار الكبير موطناً لأرقى كنوز المدينة. في هذه الجنة التاريخية للمتسوقين، تغطي المداخل المقوسة الجدران من الأرض حتى السقف بالآثار التركية التقليدية والتذكارات التي تختزل تجربة الزائر في إسطنبول.

يضم البازار 22 بوابة تفتح من مختلف الاتجاهات، أبرزها بوابة بيازيد التي تحمل "التوغرا" – العلامة الإمبراطورية – للسلطان عبد الحميد الثاني، في دلالة رمزية على مكانة التجارة، وكأن العبارة المنقوشة تؤكد أن "الله يحب التجار". ومنذ اللحظة الأولى للدخول، يشعر الزائر أنه أمام فضاء لا يشبه الأسواق التقليدية، بل عالم قائم بذاته تحكمه قواعده الخاصة.

التجول داخل البازار تجربة بحد ذاتها؛ فهنا يعيش الباعة شغف المساومة وكأنها طقس يومي لا يمكن الاستغناء عنه، حيث تمتزج المفاوضات بابتسامات ودعوات لاحتساء الشاي في أكواب على شكل زهرة الخزامى. هذا التفاعل الإنساني يمنح المكان روحاً نابضة تتجاوز مجرد البيع والشراء إلى تبادل ثقافي واجتماعي.

تعود جذور البازار إلى القرن الخامس عشر، حين أمر السلطان محمد الفاتح ببنائه ليكون مركزاً اقتصادياً يعزز مكانة إسطنبول كمفترق طرق تجاري عالمي. ومنذ ذلك الحين، نما السوق تدريجياً مع تدفق التجار القادمين عبر طرق التجارة، ليصبح واحداً من أقدم وأكبر الأسواق المغطاة في العالم.

يمتد البازار عبر شبكة معقدة من 61 شارعاً مسقوفاً، تغطي مساحة تقارب 307 ألف متر مربع، ويضم ما بين 4000 إلى 4500 متجر يعمل فيها نحو 30 ألف تاجر يومياً، يستقبلون ما يصل إلى 400 ألف زائر من السكان المحليين والسياح. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجمه، بل أيضاً مكانته كمركز تجاري عالمي نابض بالحركة.

ورغم تطور الزمن، لا يزال جوهر الهيكل الأصلي للبازار قائماً، مما يمنح الزائر إحساساً بالعودة إلى العهد العثماني، وكأنه يسير داخل مشهد من فيلم تاريخي. في الأزقة الرئيسية والشوارع الجانبية، تتكشف كنوز متنوعة: سجاد منسوج يدوياً، منسوجات مزخرفة، مصابيح متلألئة، سيراميك مرسوم بدقة، إضافة إلى المنتجات الجلدية والتحف وأدوات النحاس ومجموعات الشطرنج وحتى فساتين الزفاف.

يشبه البازار متاهة متشابكة، مقسمة إلى مناطق متعددة، يتوسطها ما يُعرف بـ"البِدِستَان"، وهما قسمان تاريخيان هما İç Bedesten وSandal Bedesten، اللذان يشكلان النواة الأولى للسوق. ومع مرور الوقت، توسعت الحركة التجارية، فأنشأ التجار أكشاكهم في الشوارع المحيطة، لتندمج تدريجياً في نسيج السوق وتشكّل فضاءً عمرانياً فريداً.

ويبرز قسم المجوهرات كأحد أكثر الأقسام جذباً، حيث تتلألأ قطع الذهب والفضة والأحجار الكريمة، من بينها حجر "الزلانيت" النادر الذي يتميز بتغير ألوانه، ما يجعله من أكثر القطع تميزاً في السوق.

المساومة هنا ليست خياراً، بل جزء أصيل من التجربة؛ فهي لغة مشتركة بين البائع والمشتري، وطقس يومي يعكس روح الثقافة التركية. ومع أكثر من 5000 بائع يعرضون السجاد، والحلي، والمعادن الثمينة، والفوانيس، والسلع الجلدية، والسيراميك والمنسوجات، يجد الزائر نفسه أمام عالم لا ينتهي من الخيارات.

ورغم كونه من أقدم الأسواق المغطاة في العالم، لا يزال البازار الكبير حتى اليوم القلب النابض للتجارة في إسطنبول، ومقصداً لا غنى عنه لعشاق التاريخ والتسوق. إنه مكان تتداخل فيه الأزمنة، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في تجربة فريدة تجعل من زيارته رحلة لا تُنسى.

عن الكاتب

حسناء جوخدار

صحفية تركية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!