
د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس
إن ابتلاء العباد سُنة ثابتة ماضية من الله تعالى في جميع خلقه ليختبر صدقَ إيمانهم؛ قال تعالى: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) "العنكبوت: 1 : 3". وهذه السنة الظاهرة لا تقتصر على أناس دون غيرهم، فقد جرت على جميع البشر بما فيهم الأنبياء والرسل، وأولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خاطبه الله تعالى بقوله: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) " الأنعام: 34 ". فقد قضت إرادته سبحانه بأن تكون الدنيا دار امتحان واختبار، فهي كذلك منذ أنزل إليها آدم عليه السلام واستخلف ذريته فيها، قال الله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) "الملك: 2"، أي ليختبرهم أيهم أصوب عملاً وأخلصه، ولينظر أي عباده أكثر طاعة لأوامره واجتناباً لنواهيه، وأكثر امتناعاً عن الشهوات المحرمة، وأيهم أكثر صبراً عند المصائب والشدائد.
فما ادعى أحدٌ الإيمان بالله تعالى ورسله إلا كان له نصيب من الابتلاء الذي يختبر إيمانه، وإن تباينت صور هذا الابتلاء ومراتبه، فالمؤمن يبتلى على قدر إيمانه، فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: " قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟، قال: الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، فيُبْتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة ".
ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أكرم خلق الله على الله تعرض للابتلاء العظيم من المحن والأذى على قدر عظمة الرسالة التي يحملها والتي كلف بدعوة الناس إليها، وذلك ليكون أسوةً حسنة للمؤمنين من بعده في الصبر على البلاء والمصابرة على تكاليف الدعوة من العذاب النفسي والجسدي. فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم من البلاء ما تضعف معه العزائم وتخور معه القوى، فكان صلى الله عليه يصبر ويحتسب ويتابع دعوته وجهاده دون كلل أو ملل. قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: " لقد أُخِفتُ في اللهِ وما يُخافُ أحَدٌ ولقد أُوذيتُ في اللهِ وما يُؤذَى أحدٌ ولقد أتَت علَيَّ ثلاثون مِن بينِ يومٍ وليلةٍ وما لي ولبِلالٍ طعامٌ يَأكُلُه ذو كَبِدٍ إلَّا شيءٌ يُواريه إبْطُ بلالٍ ".
لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان خير قدوة لمن معه من الصحابة في الصبر والمجاهدة، فقد ربّى أصحابه على الصبر على البلاء وذلك بذكيرهم عظم الأجر والجزاء الذي أعده الله للصابرين من عباده، وأن نزول البلاء ليس مرتبطاً بالضرورة بمعاصي العبد، بل قد ينزل بالعبد كعلامة على حب الله تعالى له، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإن اللهَ إذا أَحَبَّ قومًا ابتلاهم ؛ فمن رَضِيَ فله الرِّضَى، ومن سَخِطَ فله السُّخْطُ "، وقال صلى الله عليه وسلم: " ما يُصيبُ المُسلِمَ، مِن نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزْنٍ ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتى الشَّوْكَةِ يُشاكُها، إلا كَفَّرَ اللهُ بِها مِن خَطاياهُ ".
كما كان رسول الله صلى لله عليه وسلم يبث الثقة والتفاؤل في قلوب الصحابة الكرام، وأن جهدهم لن يذهب سدى، وإنما هي تضحيات مطلوبة على طريق النصر والتمكين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَيَبلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بلَغَ اللَّيلُ، ولا يَترُكُ اللهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلَّا أدخَلَه اللهُ هذا الدِّينَ، بعِزِّ عزيزٍ، يُعَزُّ به الإسلامُ، وبذُلِّ ذليلٍ يُذَلُّ به الكُفرُ ". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص على أصحابه ما تعرض له المؤمنون قبله من الابتلاء والعذاب فما وهنوا لما أصابهم وما ضعفت عزيمتهم، فعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: " شَكَوْنَا إِلَى رسولِ اللَّهِ ﷺ وَهُو مُتَوسِّدٌ بُردةً لَهُ في ظلِّ الْكَعْبةِ، فَقُلْنَا: أَلا تَسْتَنْصرُ لَنَا أَلا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: قَد كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ يؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ فيجْعلُ فِيهَا، ثمَّ يُؤْتِى بالْمِنْشارِ فَيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجعلُ نصْفَيْن، ويُمْشطُ بِأَمْشاطِ الْحديدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلكَ عَنْ دِينِهِ، واللَّه ليتِمنَّ اللَّهُ هَذا الأَمْر حتَّى يسِير الرَّاكِبُ مِنْ صنْعاءَ إِلَى حَضْرمْوتَ لاَ يخافُ إِلاَّ اللهَ والذِّئْبَ عَلَى غنَمِهِ، ولكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ".
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم استحب الصبر على رفع البلاء في بعض المواقف، وحض المؤمنين على ذلك لما في الصبر على البلاء من الأجر العظيم الذي لا يكافئه إلا الجنة، كما جاء فيما رواه يحيى عن عمران أبي بكر قال: " حدثني عطاء بن أبي رباح قال: قالَ لي ابنُ عَبَّاسٍ أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِن أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلتُ: بَلَى، قالَ: هذِه المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَتْ: إنِّي أُصْرَعُ وإنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي، قالَ: إنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وإنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ قالَتْ: أَصْبِرُ، قالَتْ: فإنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لا أَتَكَشَّفَ فَدَعَا لَهَا ".
إن المنهج النبوي كان التجسيد الواقعي للمنهج القرآني في التعامل مع الابتلاء والمحن، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يردد على مسامع أصحابه آيات القرآن الكريم ليغرس في نفوسهم معانيه التي كان لها أثرٌ عظيم في شدِّ أزر المؤمنين والتَّخفيف عنهم، بضرب الأمثلة والقصص لهم من الأمم السَّابقة وأنبيائها، وكيف لاقوا مِنْ قومهم الأذى والعذاب؛ ليصبروا ويستخفُّوا بما يلاقون، وأيضاً بمدح بعض تصرُّفاتهم، ثمَّ بوعدهم بالثَّواب والنَّعيم المقيم في الجنَّة، وكذلك بالتَّنديد بأعدائهم الَّذين كانوا يذيقونهم الألم والأذى.
ومن تلك المعاني أن هذه الدنيا دار شقاء وابتلاء دائم، وليست دار هناء واستقرار، قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ) " البقرة: 155 "، وأن الابتلاء فيه تمحيص وتنقية للصف المسلم من المنافقين، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ) " العنكبوت: 3 "، وقال تعالى: " مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) " آل عمران: 179 ". وأن الثبات والصبر سبيل النصر، فالنصر الإلهي آت لا محالة، قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) "يوسف:110".
وإذا كان الإيذاء والابتلاء قد نال رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، فليس هناك أحد أكبر من الابتلاء والمحن، فتلك سنة الله مع الأنبياء والمؤمنين إلى يوم الدين، وعلى ذلك ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرعيل الأول، فينبغي على المسلم الثبات على دينه ودعوته، وأن يواجه الأذى والمحن والمصائب بالصبر الجميل الذي يريده الله من عبده، فلا يضعف أو يحيد عن طريق الله إذا ما عانى شيئاً من الأذى والابتلاء، فقد سبقه في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع الأنبياء والصحابة الكرام.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس














