مليح ألتينوك - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

من السهل اختزال التوتر الأساسي في السياسة العالمية في كليشيه "التنافس الأمريكي-الصيني"، لكنه يبقى اختزالاً ناقصاً.

فهناك مؤشرات كثيرة تدل على أن الشرخ الحقيقي يتعمّق بين ضفتي الأطلسي، وتحديداً في العلاقة بين بريطانيا والولايات المتحدة.

كان لافتاً وصف ترامب خلال زيارته إلى لندن عام 2025 العلاقة بين البلدين بأنها "خاصة". أما الملك تشارلز الثالث، فأراد في خطابه بواشنطن التذكير بأن هذه العلاقة ليست ولاءً أحادي الاتجاه. وإشارته من على منبر الكونغرس إلى حادثة "إحراق واشنطن" لم تكن مجرد حكاية تاريخية عابرة. وكما قال البعض، لم تكن لطيفة إطلاقاً. بل كانت دفعة كوع واضحة على المسرح.

أما ترامب، فاستخدم على المسرح نفسه لغة أكثر حداثة وحدّة: الرسوم الجمركية، و"التقاسم العادل" لأعباء الدفاع، والتسهيلات الممنوحة للويسكي الإسكتلندي... كل ذلك بدا وكأنه تذكير بأن "المفتاح بيدي".

في المقابل، فإن إشارة تشارلز إلى الفعاليات الرياضية المشتركة في كندا كشفت البعد الجغرافي للمسألة.

وكندا ليست سوى مثال. فالقضية الأساسية هي تداخل مناطق النفوذ بين البلدين.

في العالم الأطلسي، تُقرأ ممرات الطاقة والمعابر البحرية والبنى التحتية الحساسة بلغتين مختلفتين من قبل واشنطن ولندن.

وعندما تنظر إلى الخريطة، تجد أن لكل "قناة" حكاية مختلفة: من السويس إلى بنما، ومن مضيق إسطنبول إلى هرمز، ومن رأس الرجاء الصالح إلى جزر فوكلاند...

وبريطانيا تواصل الحفاظ على حضورها في كل واحدة منها.

فبينما تنظر واشنطن إلى هذه الخطوط أساساً من زاوية الأمن وإمكانية الوصول العسكري، تتمسك لندن بالخطوط نفسها عبر التأمين والمال والدبلوماسية والقانون.

إنهما تنظران إلى المياه نفسها، لكنهما تقيسان أعماقاً مختلفة.

ويظهر هذا الاختلاف بوضوح أيضاً في العلاقات التي تُبنى مع الدول الثالثة. فالولايات المتحدة تقترح أُطراً أمنية أكثر صرامة وسياسات قائمة على التكتلات، بينما تقدم بريطانيا بدائل قائمة على التجارة المرنة والدبلوماسية. فبينما يقول أحدهما: "اصطف"، يؤكد الآخر على "بناء الروابط".

إن بحث لندن بعد بريكست عن خطوط تجارة جديدة، وتعاظم دورها كـ"جسر" داخل هياكل مثل AUKUS، وميل واشنطن إلى إخضاع التزامات الناتو وأوروبا لمحاسبة أشد صرامة...

كل ذلك يعني أن التحالف مستمر، لكن العلاقة تمر بعملية إعادة معايرة.

لقد أظهرت زيارة واشنطن بوضوح كيف يمكن لأسلوبين مختلفين أن يتصادما على الطاولة نفسها. فالجُمل مهذبة، لكن الرسائل المضمرة حادة للغاية. وفي وسط الأطلسي، يُعاد رسم حدود شراكة قديمة، وذلك الخط أكثر سماكة مما نظن.

 

عن الكاتب

مليح ألتنوك

كاتب صحفي في صحيفة ديلي صباح


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس