
ترك برس
تناول مقال للكاتب والمحلل التركي إسماعيل ياشا، الجدل الواسع الذي أثارته تصريحات الداعية التركي المعروف بـ"جُبَّلي أحمد" حول استمرار شيخ جماعة إسماعيل آغا الراحل محمود أفندي في إدارة شؤون الجماعة من قبره، وما ترتب على ذلك من ردود فعل دينية وفكرية داخل الأوساط الإسلامية التركية.
يناقش الكاتب أبعاد الأزمة التي تتجاوز الخلاف العقائدي إلى صراعات الزعامة والشرعية داخل الجماعات الدينية والطرق الصوفية، خاصة بعد وفاة مؤسسيها وشيوخها، كما يسلط الضوء على التشابك بين النفوذ الديني والمصالح الاقتصادية والحسابات السياسية، ودور تلك الجماعات في الحياة الانتخابية التركية.
ويخلص إلى أن القضية تطرح تساؤلات أوسع حول حدود الغلو الديني، ومسؤولية المؤسسات الرسمية في مواجهة المعتقدات التي تُعدّ مخالفة لأصول العقيدة الإسلامية. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة "عربي21":
تشهد الأوساط الإسلامية في تركيا نقاشا ساخنا في الأيام الأخيرة حول ما ذكره الداعية الصوفي أحمد محمود أونلو، المعروف إعلاميا باسم "جُبَّلي أحمد"، في إحدى محاضراته حول علاقته مع شيخ جماعة إسماعيل آغا النقشبندية الراحل، محمود أوسطا عثمان أوغلو أو "محمود أفندي" كما يسميه مريدوه. وادعى "جبلي أحمد" في تلك المحاضرة المثيرة بأن "محمود أفندي" لم يمت، بل هو حي يرزق في قبره، وأنه متصل به على مدار الساعة ويلتقيه شخصيا بين حين وآخر، وأن ما يفعله ما هو إلا استجابة لتوجيهاته وأوامره. وبعبارة أخرى، يقول إن الشيخ الراحل يستمر في إدارة شؤون الجماعة عن طريقه.
المدعو "جبلي أحمد" كان ينشط منذ صغره داخل جماعة إسماعيل آغا، إلا أنه ترك الجماعة بعد وفاة "محمود أفندي" في حزيران/ يونيو 2022، ليؤسس في أيار/ مايو 2024 جماعة جديدة باسم "جماعة خضرة المجدد محمود أفندي"، ولم يعترف بزعامة الشيخين اللذين تم اختيارهما على التوالي من قبل كبار الجماعة، لأنه كان يتوقع أن يعلن هو نفسه شيخا لجماعة إسماعيل آغا. ومن المؤكد أن ادعاءه بخلافة "محمود أفندي" وأنه يدير شؤون أتباعه بموافقته، يهدف إلى كسب شرعية لدى المنتمين إلى جماعة إسماعيل آغا التي تعد من الجماعات الدينية الكبرى في البلاد.
ظاهرة الانقسامات في الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية بعد وفاة شيوخها ليست جديدة. وانقسمت جماعة "مَنزِل" النقشبندية، على سبيل المثال، إلى ثلاث جماعات، وأعلن كل واحد من أبناء الشيخ الثلاثة أنه هو شيخ الجماعة بعد وفاة والدهم؛ لأن تلك الجماعات والطرق الصوفية كشركات قابضة تملك مشاريع اقتصادية عديدة وقوة مالية كبيرة، وعند وفاة شيخ الجماعة أو الطريقة يطمح أبناؤه أو طلابه المقربون في الحصول على نصيب الأسد من التركة الغنية.
جماعة إسماعيل آغا أصدرت بيانا قالت فيه إن الادعاء بأن "محمود أفندي" يدير شؤون جماعته من قبره، يتعارض مع عقيدة أهل السنة والجماعة وأصول التصوف. كما رد عليه دعاة وأساتذة، وبينوا أن ما يقوله "جبلي أحمد" باطل لا أساس له في الإسلام، إلا أن هذا الأخير يصف كل من ينتقده بأنه "وهابي"، على الرغم من أن معظم هؤلاء من أشد المدافعين عن التصوف والمذهب الحنفي والعقيدة الماتريدية.
البروفيسور مهمت علي بويوك كارا، أستاذ المذاهب الإسلامية في جامعة مرمرة، يشبه "جبلي أحمد" وجماعته بالبريلوية وغلوها، ويحذر من مساعي تشكيل جماعات في تركيا على غرار القاديانية الباطنية لإبعاد المسلمين عن الجهاد في الوقت الذي يحوم على المنطقة بما فيها تركيا شبح الحروب الساخنة، ويقول إن الإنجليز هم من يقفون وراء ذاك المخطط، فيما يلفت آخرون إلى وجود جذور الآراء التي يدافع عنها "جبلي أحمد" في الفكر الصوفي وأدبياته.
الصراعات الداخلية التي تشهدها الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية في تركيا تلقي بظلالها على الساحة السياسية؛ لأن بعض تلك الجماعات الكبرى ينتمي إليها مئات الآلاف من الناخبين، وهو ما يجعلها "مخازن أصوات" يسعى كثير من الاحزاب للسيطرة عليها، سواء عن طريق استمالة زعمائها أو إبرام صفقات معها لشراء أصوات المنتمين إليها في مقابل وعود وامتيازات تقدم لها. وتتفاوض بعض تلك الجماعات والطرق الصوفية مع الأحزاب، وتطالب بترشيح عدد من المنتمين إليها في الانتخابات البرلمانية أو المحلية أو تعيينهم في مناصب رفيعة. ومن المؤكد أن دعم تلك الجماعات لهذا المرشح أو ذاك يلعب دورا كبيرا في الفوز في حال كانت نسب الأصوات التي يمكن أن يحصل عليها المتنافسون متقاربة.
جماعة إسماعيل آغا تدعم تحالف الجمهور الذي يشكله حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، كما يدعم "جبلي أحمد" ذات التحالف المؤيد للحكومة. وبعد تصريحاته المثيرة، استقبل رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان "جبلي أحمد"، يوم الجمعة الماضي، في مكتبه بقصر دولما بهتشة في إسطنبول. ونشر "جبلي أحمد" صورته مع أردوغان في حسابه بمنصة "إكس"، داعيا له بالصحة والعافية. ولم يصدر أي بيان من جانب أردوغان، إلا أن تكهنات مطلعين على موقف أردوغان من "جبلي أحمد" تقول إن رئيس الجمهورية ربما وبَّخ "جبلي أحمد" وحذَّره من مغبة تكرار خزعبلاته.
"جبلي أحمد" يقول إن "الله تلبس بلحم ودم وظهر في صورة محمود أفندي"، ويقول إن "محمود أفندي إن قال في حديثه "إن شاء الله" فهو كلامه، وإن لم يقل فذلك كلام الله"، أي أن الله سبحانه وتعالى يكلم الناس بواسطته، تعالى الله عما يقول. وعلى رئاسة الشؤون الدينية التركية أن توضح حقيقة هذا المعتقد الفاسد، بغض النظر عن الحسابات السياسية، لحماية المواطنين من المعتقدات المنحرفة والأفكار الضالة، وأن لا تكتفي بتحذير "جبلي أحمد" خلف الأبواب المغلقة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











