
د. أكرم قالان — إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس
حين هبط هاكان فيدان في قازان في السابع عشر من يونيو، لم يكن ينتظره مجرد محطة اعتيادية في جدول دبلوماسي. فقد أعادت الاتصالات التي جرت في عاصمة تتارستان إلى الواجهة السؤالَ عن مدى استدامة سياسة التوازن التي تنتهجها تركيا في السنوات الأخيرة.
ولهذا السبب، جاءت المحادثات التي أُجريت مع فلاديمير بوتين عقب قمة آسيان مباشرةً لتحمل دلالةً تفوق بكثير مجرد زيارة مجاملة بروتوكولية.
كانت أنقرة تُعيد طرح خطها في السياسة الخارجية من جديد، ذلك الخط الساعي إلى الحفاظ على الحوار مع روسيا دون الإضرار بموقعها داخل الحلف الغربي.
ولفهم هذا المشهد، لا بد أولاً من النظر إلى المدينة التي احتضنت هذه المحادثات. فقازان ليست مدينةً روسية عادية.
هذه المدينة التي يتعايش فيها التتار من أصول تركية مع الروس منذ قرون، وتتجاور فيها المساجد مع الكنائس، تحتل مكانةً خاصة ليس فقط ضمن الحدود الإدارية لموسكو، بل في ذاكرتها التاريخية أيضاً.
واختيار بوتين استضافة فيدان في هذه المدينة يمكن قراءته باعتباره تفضيلاً رمزياً يُذكّر بأن العلاقة بين البلدين لا تقتصر على ملفات الطاقة والتجارة والأمن.
والحقيقة أن العلاقة بين تركيا وروسيا لم تكن يوماً علاقةً سهلة التوصيف. فحروب امتدت على مدى خمسة قرون، وتنافس وصراع نفوذ، إلى جانب مراحل من التعاون، كلها جزء من هذا التاريخ.
وفي سنوات تأسيس الجمهورية، برز الدعم السوفيتي في المقدمة، وعلى مدار الحرب الباردة وقف البلدان في معسكرين متقابلين.
أما في الثلاثين عاماً الأخيرة، فقد أفرزت الطاقة والسياحة والدفاع والتجارة حقبةً جديدة تمزج التنافس والاعتماد المتبادل في بوتقة واحدة.
والعامل الجوهري الذي يحدد العلاقات التركية الروسية اليوم هو تحديداً هذا الطابع المزدوج: القدرة على أن تكون في آنٍ واحد منافساً وشريكاً.
وفي هذا السياق ينبغي تقييم ثقل هاكان فيدان في موسكو. فإدارته مديريةَ الاستخبارات الوطنية لسنوات طويلة جعلت منه اسماً مألوفاً يعرفه صنّاع القرار الروس عن كثب.
ووفق ما تسرّب إلى الصحافة، لم تقتصر زيارة قازان على لقاءات مع وزير الخارجية سيرغي لافروف، بل امتدت إلى اتصالات مع ممثلين مختلفين من البيروقراطية الأمنية.
وهذا يدل على أن خلفية فيدان الأمنية، إلى جانب هويته الدبلوماسية، فتحت له قناةً مستقلة في موسكو.
وتاريخ معرفته الشخصية ببوتين يُكمل هذا المشهد. فالتعليق الفكاهي الذي أطلقه الزعيم الروسي قبل سنوات على فيدان حين كان ضمن وفد رجب طيب أردوغان، كان تفصيلاً صغيراً لكنه لافت، يكشف كيف يضع الكرملين فيدان في منزلته الخاصة.
والمحادثات التي جرت في قازان تُثبت أن هذه الألفة المتبادلة لا تزال قائمة وفاعلة.
أما الملف الأشد حساسية في الزيارة فكان بلا شك الحرب في أوكرانيا. ويبدو أن أنقرة تُركّز في الفترة الأخيرة على خطوات محدودة لبناء الثقة، تتمحور بصفة خاصة حول أمن الملاحة في البحر الأسود وحماية البنية التحتية للطاقة.
ويُفهم من ذلك أن المقاربة المتّبعة تُولي الأولوية لترتيبات ضيّقة النطاق قادرة على إعادة تهيئة أرضية للحوار بين الطرفين، بدلاً من الانطلاق من خطة شاملة للسلام.
وما ذهب إليه هاكان فيدان في كلمته بمعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية من أن سياسة التواصل التي واجهت انتقادات في بداية الحرب باتت تحظى بقبول أوسع اليوم، كان انعكاساً لهذا الخط الذي ترسمه أنقرة.
ولا يقف وراء هذه المقاربة مجرد تمنيات دبلوماسية.
فلقاء الوفدين الروسي والأوكراني في إسطنبول في مارس 2022 على طاولة واحدة، ثم انطلاق مبادرة حبوب البحر الأسود في يوليو من العام نفسه برعاية تركية، أثبتا أن أنقرة قادرة حين يستدعي الأمر على أداء دور الوساطة المُثمرة.
لم ينجح أيٌّ من المبادرتين في تحقيق سلام دائم، غير أنهما أبقيا القناة الدبلوماسية مفتوحة في أشد مراحل الحرب حرجاً. وما تمتلكه تركيا اليوم من ميزة تُعدّ الأهم ينبع تحديداً من هذه التجربة.
والتعليقات الصادرة من الجانب الروسي لا ترفض هذا الإطار كلياً، لكنها تُبقي هامشاً واسعاً من التحفظ.
فالتقييمات المقربة من الكرملين تُسلّم بالقدرة التوسطية لتركيا، بيد أنها تُشدد على أن أي تقدم ملموس يظل رهيناً في معظمه بموقف كييف.
ومن منظور موسكو، لا يتعلق الأمر بإرادة أنقرة وحدها، إذ يبقى ميزان الميدان في الحرب وطريقة تشكُّل الدعم السياسي والعسكري الغربي لأوكرانيا عاملاً حاسماً لا يمكن إغفاله.
وقد تباينت قراءة الصحافة الروسية لزيارة قازان.
فبعض التحليلات أبرزت اتصالات فيدان باعتبارها حركة دبلوماسية مكثفة تستطلع مراكز القرار المختلفة داخل الدولة الروسية.
وبعضها الآخر قرأ الزيارة باعتبارها جزءاً من مساعي أنقرة لتعزيز ثقلها لدى موسكو والعواصم الغربية على حدٍّ سواء، في توقيت يسبق انعقاد قمة الناتو.
والقاسم المشترك في كل هذه التحليلات كان التأكيد على أن تركيا من الدول النادرة القادرة على الحوار مع الطرفين معاً.
وكان منح هاكان فيدان الدكتوراه الفخرية من معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية أحد العناصر الرمزية لهذه الأجواء الدبلوماسية.
وهذا الاختيار من جانب إحدى أعرق المؤسسات الروسية في مجال العلاقات الدولية يمكن أن يُقرأ إشارةً إلى نهج يُعلي من قيمة الحوار مع أنقرة.
بيد أن ثمة مسافة واضحة دائماً بين الإيماءات الرمزية والنتائج الدبلوماسية الفعلية.
فالجانب الروسي يُعلن انفتاحه على التفاوض، لكنه يواصل إلقاء مسؤولية الجمود إلى حدٍّ بعيد على موقف كييف.
وهذا الخطاب يُثبت أن الخط الدبلوماسي الذي تبنّته موسكو طوال الحرب لم يتغير.
ولهذا السبب بالذات، لا يصح إما المبالغة في تصوير دور تركيا أو الاستخفاف به.
فأنقرة لا تملك قوة قادرة على تغيير مجرى الحرب وحدها، ولا هي مجرد مضيفة سلبية لا تعدو أن تؤمّن طاولة الحوار فحسب. وقيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على التواصل في وقت واحد مع أطراف لا تُكلّم بعضها.
وفي السياسة الدولية اليوم، هذه إمكانية أندر مما يُظنّ.
فضلاً عن ذلك، يزداد الحفاظ على هذا التوازن الدبلوماسي صعوبةً يوماً بعد يوم.
فتركيا تواصل من جهة انتماءها إلى البنية الأمنية الغربية بوصفها عضواً في الناتو، وتسعى في الوقت ذاته إلى عدم قطع علاقاتها مع روسيا في مجالات الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.
وإدارة هذين المسارين في آنٍ واحد كثيراً ما يستجلب الانتقادات. غير أن هامش حرية الحركة الذي تتمتع به أنقرة يعود تحديداً إلى قدرتها على الحفاظ على هذا التوازن.
من هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى زيارة قازان منفردةً باعتبارها بداية حقبة دبلوماسية جديدة. فهي أشبه باختبار جديد للخط الذي رسمته تركيا في سياستها الخارجية على مدى السنوات القليلة الماضية.
لا يُنتظر من هذه المحادثات أن تُغيّر قريباً مسار الحرب في أوكرانيا، لكن الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة وحده لا يُعدّ نتيجةً هيّنة في عالم الدبلوماسية الدولية اليوم.
والسؤال الحقيقي يبدأ من هنا:
مع إطالة أمد الحرب وابتعاد الأطراف عن بعضها أكثر فأكثر، هل سترتفع قيمة الدول القادرة على الحوار، أم أن تنافس القوى الكبرى سيُضيّق مساحة الوساطة بالكامل؟
الصورة الملتقطة في قازان لا تُجيب وحدها على هذا السؤال.
لكنها تُظهر بجلاء بأي ادّعاء دبلوماسي تريد تركيا أن تحضر إلى الطاولة الدولية في المرحلة المقبلة.
وما يأتي بعد ذلك لن يُقاس بما تقوله أنقرة بقدر ما يُقاس بمدة قدرتها على إبقاء القنوات التي فتحتها مفتوحةً.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











