
بارتو إيكن - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس
خسرت ألمانيا حربين كبيرتين، لكن الألمان لم يستسلموا يومًا. والآن، وفي ظل ظلال السنوات العصيبة التي مضت، اتخذت حكومة ميرتس خطوة مهمة. فقد عرضت على مجلس الوزراء مشروع قانون ينص، في الوقت الراهن، على نظام جديد للخدمة العسكرية يقوم على أساس التطوع، وذلك بسبب تصاعد المخاطر الجيوسياسية في أوروبا. غير أن الأهم هنا هو أن مشروع القانون يهيئ الأرضية القانونية لإعادة العمل بالتجنيد الإلزامي عند الحاجة. وفي المرحلة الأولى، يتمثل الهدف في رفع عدد الجنود العاملين من 184 ألفًا إلى 260 ألفًا. وتحقيقًا لذلك، يجري قبول طلبات الالتحاق، إلا أن الصورة بالنسبة إلى الجيش الألماني (البوندسفير) ليست مشرقة. ويعود السبب إلى أن شريحة كبيرة من الشباب لا ترغب في أن تصبح عسكرية. ويرجع ذلك أساسًا إلى أنهم لا يؤمنون بوجود تهديد مباشر، إذ يعتقدون أنهم لن يتعرضوا لغزو من روسيا أو من أي دولة أخرى. غير أن حكومات وشعوبًا كثيرة في الماضي كانت تتبنى الرؤية نفسها، لكنها انتهت إلى خسارة حروبها وحرياتها وممتلكاتها وأرواحها. وأقرب مثال على ذلك ما حدث في سوريا مع سقوط نظام البعث. ففي الوقت الذي كان فيه نظام الأسد يقدّر أن قوات المعارضة لن تتمكن من الوصول إلى حلب، وجد نفسه في نهاية المطاف لاجئًا إلى روسيا.
وتدّعي الفئات التي تتحصن بحق الاستنكاف الضميري أن الميزانية المخصصة للصناعات الدفاعية تُقتطع من مخصصات التعليم. غير أنه في بلد لا يستطيع الدفاع عن نفسه، لا يمكن الحديث لا عن تعليم ذي جودة، ولا عن مستقبل حر. ومن هذه الزاوية، ورغم أن الخطوة التي اتخذها ميرتس تبدو إيجابية، فهل ستكفي للحفاظ على بقائه في السلطة؟ لا أعتقد ذلك، لأن هذه الخطوة الاستراتيجية التي أقدم عليها ميرتس تحيط بها عوامل لن تكون كافية لإنقاذه في ظل الانقسام السياسي العميق والاختناق الاقتصادي اللذين تعيشهما ألمانيا اليوم.
هل ستتمكن حكومة ميرتس من إنقاذ نفسها؟
أولًا، تعيش حكومة ميرتس حاليًا حالة أشبه بمتلازمة "الوقوع بين نارين". فمشروع القانون الذي يفتح الباب أمام العودة إلى التجنيد الإلزامي قد يرضي القاعدة المحافظة وأنصار تشديد السياسات الدفاعية، لكنه في المقابل ينفّر تمامًا الناخبين الوسطيين والشباب، وهم الفئة التي ستحدد نتائج صناديق الاقتراع. ففي الوقت الذي يشعر فيه الناخبون بآثار تخفيضات الموازنة على التعليم والرعاية الصحية والمساعدات الاجتماعية، فإنهم لا يسجلون تحويل مليارات اليوروهات إلى الصناعات الدفاعية في رصيد ميرتس باعتباره إنجازًا، بل باعتباره تراجعًا في مستوى الرفاه. كما أن هذه السياسة لا تقدم حلًا لمعاناة المواطنين الألمان من الركود الاقتصادي وصعوبات المعيشة. أما الخطر الثاني، وهو الأكبر بالنسبة إليه، فيتمثل في استغلال المعارضة واليمين لهذه الأزمة كورقة ضغط.
وبشكل خاص، بات لدى حزب اليسار، الذي يطرح نفسه مدافعًا عن الشباب، ولدى حزب الخضر، الذي يستند إلى الموجة السلمية، مادة سياسية ثمينة يصعب تعويضها. وفي المقابل، يرى فاعلون من اليمين، مثل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، الذي يتعهد بحل الأزمة الأمنية عبر تليين العلاقات مع روسيا، أن سياسات ميرتس العسكرية ليست سوى "محاولة لجر ألمانيا إلى حرب عالمية لا ضرورة لها".
ويؤكد حزب البديل من أجل ألمانيا أن ما تحتاج إليه البلاد ليس التضحية بالشباب في مواجهة تهديدات عالمية متخيلة، بل ترسيخ السلام من خلال تغليب الحكمة الدبلوماسية. ويُنظر إلى عزوف الشباب عن الالتحاق بالجيش باعتباره دليلًا على أن السياسات ذات التوجه العالمي التي يتبناها ميرتس لا تجد صدى في المجتمع، في حين أن خطاب حزب البديل من أجل ألمانيا القائم على شعار "شعبنا أولًا" يجد قبولًا متزايدًا لدى القواعد الشعبية.
نواقص كبيرة في الجيش الألماني
وفقًا لأحدث تقارير لجنة الدفاع في البرلمان الاتحادي، يحتاج الجيش الألماني إلى استثمارات لا تقل عن 67 مليار يورو، وذلك فقط لإصلاح الثكنات العسكرية، وتحديث مستودعات الذخيرة، ورفع البنية التحتية اللوجستية الأساسية إلى مستوى يلبّي المتطلبات الإنسانية.
ففي العديد من الثكنات، لا تعمل أنظمة التدفئة الأساسية، كما أن شبكات الصرف الصحي متداعية، في حين تفتقر القوات المسلحة إلى العدد الكافي من الحظائر اللازمة لحفظ الآليات العسكرية. وبعد التوترات التي شهدتها العلاقات مع الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة، أصبحت ضرورة تحديث الجيش، إلى جانب الحفاظ على علاقة تحالف متوازنة مع واشنطن، تكتسب أهمية خاصة. ولذلك، وحتى إذا خسرت حكومة ميرتس الانتخابات، فإنه لا يبدو من الممكن في المدى القريب أن تُقدم الحكومات المقبلة على إدارة ظهرها بالكامل لواشنطن.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











