نور أوزكان أرباي - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

تحققت هذا الأسبوع الزيارة التي كان نتنياهو ينتظرها إلى واشنطن. وقد تحولت جنازة السيناتور ليندسي غراهام، أحد أكبر داعمي اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، والذي توفي بشكل مفاجئ الأسبوع الماضي أثناء عودته من أوكرانيا، إلى منصة دعائية كاملة لإسرائيل ونتنياهو. وكان نتنياهو، الذي يفقد "أصدقاءه" في واشنطن يومًا بعد يوم، يبحث منذ فترة طويلة عن مثل هذه الأرضية. ولم يفت الأنظار أنه قدّم الحلوى إلى نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، الجالس إلى جانب الرئيس دونالد ترامب، في قلب مراسم امتلأت برسائل تؤكد "مدى الدعم الكبير الذي كان يقدمه غراهام لإسرائيل". ويكتسب هذا المشهد أهمية خاصة، لأن فانس يقول إنه أصبح هدفًا لحملات التشويه التي يقودها اللوبي الإسرائيلي، بعدما عبّر في الآونة الأخيرة، وربما للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، بشكل صريح عن أن إسرائيل تضر بالسياسات الأمريكية. ومن هذا المنطلق، كانت الصور التي ظهر فيها فانس وترامب وهما يبتسمان على المنصة، في الوقت الذي كان يُروَّج فيه من قبل اللوبي الإسرائيلي ومموليّه لشعار "متانة العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية التي لا تتزعزع"، ذات دلالة لافتة.

كما لم تمر دون ملاحظة أحاديث نتنياهو، الذي رأى في جنازة غراهام فرصة للعلاقات العامة الخاصة به قبل الانتخابات العامة الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول، مع وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال مراسم التشييع. وأظهرت اللقطات التي تداولتها وسائل الإعلام أن لغة جسد نتنياهو توحي وكأنه يريد إصدار التعليمات، كما بدا أنه يعلق آمالًا على الشخصين، تمامًا كما كان يفعل مع غراهام الذي وصفه بـ"بطل التحالف الأمريكي-الإسرائيلي". وفي المقابلة التي أجراها مع قناة "فوكس"، التي رفعت من وتيرة دعايتها إلى أقصى حد، استهدف نتنياهو عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، لكنه لم يتمكن من الإفلات من احتجاجات الشعب الأمريكي. فقد نظمت التحالفات المناهضة للحرب، ومنظمات المجتمع المدني، والجماعات الداعمة لفلسطين، والمجموعات اليهودية المناهضة للصهيونية، فعاليات احتجاجية واسعة النطاق في محيط مقر إقامة نتنياهو، والبيت الأبيض، والكونغرس.

وكانت توقعات نتنياهو من زيارته إلى واشنطن كبيرة إلى درجة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اضطر، قبيل اللقاء الثنائي مباشرة، إلى القول إنه لا يحتاج إلى الدعم الاستخباراتي الذي كان نتنياهو يرغب في تقديمه في الحرب مع إيران. كما بادر ترامب، قبل الاجتماع أيضًا، إلى الرد على الدعوات الإسرائيلية المطالبة بعدم بيع مقاتلات F-35 إلى تركيا، قائلًا: "لا أحد يستطيع أن يملي عليّ لمن نبيع أو لا نبيع". ويمكن القول إن ترامب نجح حتى اليوم في اتباع استراتيجية تقوم على الفصل بين علاقاته مع تركيا وعلاقاته مع إسرائيل. غير أن سهولة إدلائه بهذه التصريحات الآن تحمل أيضًا دلالة أخرى. إذ يبدو أن واشنطن تدرك كذلك أن فرص نتنياهو في الفوز بانتخابات أكتوبر/تشرين الأول تبدو صعبة للغاية في ظل الظروف الحالية. كما يتضح أن ترامب لا يريد أن يستمد نتنياهو، الذي يفقد رصيده السياسي أصلًا، شرعية من خلاله. ذلك أن الحفاظ على هذه المسافة بات بالنسبة إلى ترامب ضرورة، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني.

ومن ناحية أخرى، فإن الأمر لا تفرضه فقط الديناميكيات السياسية الداخلية، بل تفرضه أيضًا الوقائع الخارجية. فترامب ليس في وضع يسمح له بقبول سيناريو، من أجل خاطر نتنياهو، قد يكلفه خسائر في الحرب مع إيران، أو يعرّض علاقاته مع دول الخليج أو مع تركيا للخطر. كما أن واشنطن لم تعد تملك رفاهية تحمل المزيد من الأعباء الإقليمية والعالمية والأزمات الجديدة التي خلّفتها الحرب مع إيران. ولهذا السبب، تتزايد في الآونة الأخيرة المؤشرات التي تدل على أن الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل يجري إعادة النظر فيه استعدادًا لمرحلة ما بعد نتنياهو. وعلى الرغم من التصريحات التي تتحدث عن إجراء مباحثات مثمرة بشأن المصالح الأمنية المشتركة ومفهوم التحالف، فإن ترامب، من خلال مواقفه بين الحين والآخر، يبعث برسالة مفادها أنه يرى، على الأقل، أن استمرار هذه العلاقة مع نتنياهو لم يعد ممكنًا من الناحية التكتيكية والاستراتيجية. وربما لهذا السبب أيضًا، عقد ترامب الاجتماع الموسع بين الوفدين في البيت الأبيض بعيدًا عن وسائل الإعلام. وعلى الرغم من أن الجانب الإسرائيلي روّج لفكرة أن "المباحثات جرت بصورة ممتازة"، فإن عقد هذا الاجتماع بعيدًا عن الإعلام يوحي بعكس ذلك تمامًا. إذ قد يكون قرار البيت الأبيض بعدم السماح للصحفيين بطرح الأسئلة نابعًا من الرغبة في تجنب اندلاع أزمة جديدة، في ظل تزايد حدة الخلافات بشأن إيران يومًا بعد يوم، وكذلك بسبب مواقف ترامب المتشددة تجاه نتنياهو. ويؤكد ذلك أيضًا أن ترامب صرّح بوضوح وبصوت مرتفع، في مقابلة أجراها مع قناة "فوكس نيوز" قبل الاجتماع مباشرة، بأنه منزعج من قيام نتنياهو بتسريب معلومات استخباراتية سرية بشأن إيران إلى وسائل الإعلام. كما تظهر استطلاعات الرأي أن شعبية ترامب تراجعت حتى داخل صفوف الجمهوريين بسبب استمرار الحرب مع إيران وتقديم الدعم غير المشروط لإسرائيل. وفي مثل هذا الوضع، فإن آخر ما يرغب فيه ترامب هو أن يتعرض لهزيمة في انتخابات التجديد النصفي، في وقت يتحدث فيه، ولو على سبيل المزاح، عن إمكانية ترشحه للرئاسة للمرة الرابعة.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس