حسين عاكف كوتشوك آل - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس

الناتو 3.0...

لقاء أردوغان - ترامب...

التعاون في الصناعات الدفاعية...

الحرب الروسية - الأوكرانية...

سياسة التوازن...

لا شك أن قمة الناتو التي ستُعقد يومي 7 و8 يوليو/ تموز في المجمع الرئاسي بأنقرة تتجاوز بكثير كونها مجرد لقاء عادي بين القادة، ولا سيما بالنسبة لتركيا. ففي أنقرة ستُطرح لأول مرة بهذا القدر من الوضوح والشمول أربع أجندات مختلفة على طاولة النقاش: أجندة الولايات المتحدة، وأجندة أوروبا، والأجندة المؤسسية لحلف الناتو، وأجندة تركيا.

النسخة الثالثة من حلف الناتو

الناتو، الذي تأسس عام 1949، وغيّر جلده مع انتهاء الحرب الباردة عام 1990، يقف اليوم على أعتاب تحول ثالث. ويطلق بعضهم على هذا التحول اسم "الناتو 3.0".

لقد انهارت فعليًا الشراكة الأيديولوجية ووحدة المصير بين أوروبا والولايات المتحدة مع الحرب في أوكرانيا، ثم الحرب مع إيران. ومن الآن فصاعدًا، فإن المنطق الذي يُبقي الحلف قائمًا لن يكون القيم المشتركة، بل البراغماتية التي تقول: "إذا تلاقت مصالحنا، فإننا نعمل معًا."

وقد برز داخل الحلف، قبيل القمة، خطان مختلفان. فبريطانيا وألمانيا تريدان الحفاظ على موقفهما المتشدد تجاه موسكو، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى نقل ثقلها الاستراتيجي نحو آسيا. وهذا الاختلاف في الرؤى والظروف يجعل من الضروري ولادة ناتو أوروبي.

ولتعميق هذه البنية البراغماتية التي أشرنا إليها، يمكن القول إن أوروبا ستتولى بنفسها تصميم أمن القارة. ولن يكون البنتاغون في موقع القيادة. أما الولايات المتحدة، فستختار من مسافة استراتيجية الملفات التي تخدم مصالحها. ومن المرجح أن توضح هذه القمة الموقع الجديد لواشنطن داخل الحلف، ومساعي أوروبا القارية لبناء مظلتها الدفاعية الخاصة، ومكانة تركيا في هذه الخريطة الجيوسياسية.

هدايا ترامب

يمكننا أن نستشف انعكاس العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على القمة من تصريح ترامب الذي قال فيه، بما معناه: "أنا لا أذهب إلى هناك من أجل الحلفاء، بل من أجل الرئيس المضيف أردوغان فقط." فترامب لا يأتي إلى قمة الناتو، بل يأتي إلى أردوغان.

وخلال حديثه عن أردوغان في المكتب البيضاوي، سأله الأمين العام للناتو مارك روته: "ألم تكن لتأتي من أجلي؟" فأجابه ترامب، دون أن يتغير تعبير وجهه: "على الأرجح لا."

لنبدأ إذًا أجندة الولايات المتحدة من هذا الواقع.

سيكون ترامب أول رئيس أمريكي يزور تركيا منذ زيارة باراك أوباما عام 2015. وينتظرنا برنامج حافل، كما أنه لا يأتي خالي الوفاض. فقد تمثلت أول بادرة ملموسة في محركات إف-110 اللازمة للطائرة المقاتلة الوطنية قآن. وبينما يستمر العمل على تطوير المحرك المحلي، أُبلغ الكونغرس رسميًا بحزمة تتجاوز قيمتها 700 مليون دولار، تشمل 80 محركًا من طراز GE F110 لتشغيل 40 مقاتلة من طراز قآن خلال المرحلة الانتقالية. كما أن عودة تركيا إلى برنامج إف-35 تُعد من القضايا الأخرى التي منحها البيت الأبيض الضوء الأخضر. وإلى جانب ذلك، أُسقطت أيضًا قضية بنك خلق.

لكن هذه الأجواء الإيجابية في العلاقات لا تنعكس بالطبع على جميع الملفات. فقد قوبلت خطوات ترامب هذه باعتراضات وانتقادات من داخل حزبه الجمهوري، وكذلك من أعضاء ديمقراطيين في الكونغرس. ولم تعد القضية مجرد بيع محركات، بل تحولت إلى صراع نفوذ بين إدارة ترامب والبيروقراطية الراسخة في واشنطن. ومن جهة أخرى، فإن رفع عقوبات كاتسا وعودة تركيا إلى برنامج إف-35 يمران بمسار معقد. كما يتعين التغلب على جميع جماعات الضغط المناهضة لتركيا، وفي مقدمتها اللوبي اليهودي. ولنضع ذلك كملاحظة جانبية.

لذلك، بدلًا من الانشغال بسياسات المماطلة التي اعتدنا عليها، يجدر بنا أن نبحث عن إجابة للسؤال التالي:

لماذا تقوم إدارة ترامب بكل هذه الخطوات؟

لقد علمت جائحة كورونا والحرب الأوكرانية الولايات المتحدة درسًا واضحًا، وهو أن سلسلة التوريد في الصناعات الدفاعية شديدة الهشاشة، وأن العالم الغربي لا يستطيع إنتاج الأسلحة والذخائر بالسرعة الكافية.

وبفضل قدرتها الإنتاجية الضخمة، وقواها العاملة المؤهلة، وصناعاتها الدفاعية المطابقة لمعايير الناتو، يمكن لتركيا أن تصبح مصنع الحلف. وتريد الولايات المتحدة، من دون أن تثقل كاهل ميزانيتها أو مصانعها، أن تستقطب أكبر قوة صناعية على الجناح الشرقي للناتو إلى جانبها، لتتقاسم معها أعباء الإنتاج.

وهنا يبرز سؤال آخر:

ماذا سيطلب ترامب، الذي يجيد تقديم البادرات، مقابل ما قدمه أو سيقدمه لتركيا؟

المال والصناعات الدفاعية وأوكرانيا... أبرز ملفات القمة

لننتقل إلى الأجندة الرسمية للناتو...

كانت الولايات المتحدة قد طالبت العام الماضي أعضاء الحلف بتحقيق هدف الإنفاق الدفاعي البالغ 5 بالمئة. ولم يعد الموضوع الآن متعلقًا بالوعود، بل بتحويلها إلى خطوات عملية: مزيد من الاستثمار، ومزيد من الإنتاج.

وبالتزامن مع القمة، سيُعقد في 7 يوليو/ تموز منتدى الناتو للصناعات الدفاعية، حيث ستناقش آليات تحويل الأموال إلى أسلحة وذخائر ومشاريع توريد مشتركة. ومن المفيد هنا التذكير بأن تركيا، بصفتها الدولة المضيفة، أصبحت خلال السنوات الأخيرة لاعبًا صاعدًا في سوق الصناعات الدفاعية الأوروبية. ومن بين أهداف أنقرة أن تصبح شريكًا يوجه عملية الإنتاج.

ماذا تريد أوروبا من تركيا، وماذا تريد تركيا من أوروبا؟

أما فيما يتعلق بأجندتي الاتحاد الأوروبي وتركيا...

فقد تعرضت تركيا في الماضي للمماطلة لسنوات من قبل الاتحاد الأوروبي لأسباب سياسية. لكن أوروبا اليوم باتت بحاجة إلى قوة عسكرية ملموسة وقابلة للقياس.

ولذلك، تجلس تركيا إلى طاولة المفاوضات لا بوصفها "مرشحًا متوسلًا"، بل بوصفها شريكًا عسكريًا مستقلًا يتمتع بحقوق متساوية، يقول: "إذا كنتم تريدون ضمان أمنكم، وسد النقص في الذخائر، وحماية حدودكم، فإنكم بحاجة إلى هذه القوة العسكرية الضخمة التي أمتلكها." فلا توجد عضوية سياسية، لكن هناك شراكة ميدانية كاملة قائمة على مبدأ الأخذ والعطاء.

وكان خطاب الرئيس رجب طيب أردوغان يوم الاثنين في قمة الجمعية البرلمانية للناتو بمثابة خلاصة للرؤية التركية.

وقال أردوغان:

"إن استبعاد قدراتنا الدفاعية من أجل مصالح سياسية ضيقة لا يعود بالنفع على أحد؛ ويجب أن نبني شبكة أمنية متواصلة تمتد من تكساس إلى أنقرة."

وبمعنى آخر، تريد أنقرة اختراق جدار الفيتو الذي تفرضه اليونان والإدارة القبرصية اليونانية، وأن تصبح جزءًا من البنية الأمنية الأوروبية، وأن تجني في الوقت نفسه العوائد الاقتصادية المترتبة على ذلك. وستجلس إلى طاولة قمة الناتو وهي تحمل هذه الأوراق في يدها.

الضغط على تركيا للانحياز في الحرب الروسية الأوكرانية

ومن جهة أخرى، سيكون ملف "الدعم المستمر لأوكرانيا" حاضرًا بطبيعة الحال على طاولة قمة الناتو، لا سيما أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي سيكون من بين المدعوين.

لقد أنهكت هذه الحرب أوكرانيا وروسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، كلٌ على طريقته، فيما تتضاعف تكلفتها يومًا بعد يوم. لكن يبدو أن القيادة الأوروبية وحدها لا تدرك هذه الحقيقة. فالناتو الأوروبي يريد جر تركيا إلى المواجهة المباشرة مع موسكو.

وقد قدمت تركيا ردها على هذا الضغط خلال الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية هاكان فيدان إلى موسكو، حين قال:

"ينبغي أن تكون روسيا أيضًا جزءًا من البنية الأمنية الأوروبية الجديدة."

وبهذه الجملة الواحدة، وجه فيدان رسالة إلى الغرب وإلى روسيا في آن واحد.

فهي تعني بالنسبة إلى الغرب:

"لن تتمكنوا من تحقيق السلام في أوروبا إذا استبعدتم روسيا بالكامل وتجاهلتم وجودها."

أما بالنسبة إلى روسيا، فتعني:

"حتى وإن كان الغرب يحاول عزلك بالكامل عن العالم، فإننا في تركيا نبقي قنواتنا الحيوية معكم مفتوحة، فلا تقدموا على أي استفزاز في البحر الأسود."

وخلاصة القول، إن تركيا ستستضيف قمة مليئة بالفرص كما بالتحديات. وحتى اليوم، نجحت أنقرة في تحقيق التوازن بين أجندات الولايات المتحدة، والناتو، والاتحاد الأوروبي، وأجندتها الخاصة. على أمل ألا تعطي قبل أن تأخذ.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!