
ترك برس
تدرس السلطات التركية إعادة فتح معهد “هالكي” اللاهوتي الأرثوذكسي في جزيرة “هيبلي أدا” قبالة إسطنبول، بعد أكثر من خمسة عقود على إغلاقه، وذلك بتوجيهات من الرئيس رجب طيب أردوغان للمؤسسات المعنية باستئناف المحادثات حول الملف.
وبحسب تقارير صحفية، وجّه أردوغان المسؤولين الأتراك إلى مواصلة المشاورات بشأن إعادة فتح المعهد التاريخي، في خطوة وصفتها أوساط كنسية أرثوذكسية بأنها بداية “مرحلة جديدة” بعد سنوات طويلة من الجمود.
وجاءت التطورات عقب لقاء جمع الرئيس أردوغان بالبطريرك المسكوني برثلماوس، الزعيم الروحي للروم الأرثوذكس، في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة، حيث تناول اللقاء آفاق إعادة فتح المعهد ضمن حوار جارٍ بين وزارة التربية الوطنية التركية، ومجلس التعليم العالي التركي “YÖK”، والبطريركية المسكونية.
وقال متروبوليت خلقيدونية عمانوئيل إن الرئيس أردوغان وجّه مجلس التعليم العالي التركي إلى مواصلة المحادثات مع اللجنة المختصة التابعة للبطريركية، مؤكداً أن الملف دخل مرحلة جديدة بعد عقود من عدم تحقيق تقدم جوهري.
وأشار إلى أنه لا يوجد حتى الآن موعد رسمي لإعادة فتح المعهد، موضحاً أن استئناف نشاطه التعليمي يتطلب استكمال أعمال الترميم الجارية في المبنى، إلى جانب التوافق على الإطار القانوني والتعليمي الذي سيحكم عمله.
ويُعد معهد “هالكي”، الذي تأسس عام 1844، أحد أبرز المؤسسات اللاهوتية الأرثوذكسية في المنطقة، وكان لعقود المركز الرئيسي لتأهيل رجال الدين التابعين للبطريركية المسكونية في إسطنبول، وتخرّج فيه عدد كبير من رجال الدين الأرثوذكس، بينهم البطريرك الحالي برثلماوس.
ويقع المعهد ضمن دير الثالوث المقدس في جزيرة “هيبلي أدا”، إحدى جزر الأميرات في بحر مرمرة، وكان يتمتع بمكانة روحية وأكاديمية تتجاوز حدود تركيا، بالنظر إلى موقع البطريركية المسكونية في إسطنبول ودورها التاريخي لدى الكنائس الأرثوذكسية حول العالم.
وأُغلق المعهد عام 1971 عقب قرار قضائي في تركيا يتعلق بمؤسسات التعليم العالي الخاصة، إذ اشترط القرار أن ترتبط مؤسسات التعليم العالي غير الحكومية بالجامعات الرسمية، وهو شرط رفضته البطريركية حفاظاً على استقلالية المؤسسة الدينية والتعليمية. ومنذ ذلك الحين بقي المعهد مغلقاً رغم طرح الملف مراراً في النقاشات الداخلية والخارجية.
وتسبّب الإغلاق، وفق الأوساط الأرثوذكسية، في حرمان البطريركية المسكونية من مؤسسة داخل تركيا لتأهيل رجال الدين الأرثوذكس، ما دفعها إلى الاعتماد على مؤسسات تعليمية خارج البلاد لتدريب الكوادر الكنسية. ومع مرور الوقت، تحوّل الملف إلى أحد أبرز عناوين النقاش حول أوضاع الأقليات الدينية والحريات الدينية في تركيا.
واكتسبت قضية “هالكي” بعداً دولياً أيضاً، إذ طالبت اليونان والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مراراً بإعادة فتح المعهد، باعتباره خطوة مهمة في ملف الحريات الدينية وحقوق الأقليات. في المقابل، شددت أنقرة في مراحل سابقة على أن أي صيغة لإعادة تشغيله يجب أن تنسجم مع القوانين التركية الناظمة للتعليم العالي، كما ربطت أحياناً الملف بمبدأ المعاملة بالمثل في ما يتعلق بأوضاع الأقلية التركية المسلمة في تراقيا الغربية باليونان.
وتجدد الاهتمام بالملف خلال الأعوام الأخيرة، ولا سيما بعد زيارة وزير التربية الوطنية التركي يوسف تكين للمعهد عام 2024، حيث نقل حينها رسالة من الرئيس أردوغان بضرورة البحث عن صيغة مناسبة لإعادة فتح المؤسسة، مع الحفاظ على الطابع التاريخي للمبنى خلال أعمال الترميم.
كما اكتسبت القضية زخماً إضافياً عقب إثارتها في مباحثات بين أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ أعلن أردوغان استعداده للقيام بما يقع على عاتق تركيا في هذا الملف، ومناقشته مع البطريرك برثلماوس.
وبحسب تقارير حديثة، تدور النقاشات الحالية حول الصيغة القانونية والتعليمية الأنسب لإعادة تشغيل المعهد، بما في ذلك احتمال ربطه بمجلس التعليم العالي التركي أو بإحدى الجامعات التركية، في حين تستمر أعمال الترميم داخل المبنى التاريخي.
وتنظر الأوساط الأرثوذكسية إلى إعادة فتح معهد “هالكي” باعتبارها خطوة رمزية وعملية في آن واحد، لما يمثله المعهد من مكانة دينية وتاريخية لدى البطريركية المسكونية، ولأنه يشكل المؤسسة الأبرز في إعداد رجال الدين الأرثوذكس المرتبطين تاريخياً بإسطنبول.
ومن شأن إعادة فتح المعهد، في حال استكمال الترتيبات القانونية والتعليمية، أن تشكل تطوراً مهماً في ملف الأقليات الدينية بتركيا، وأن تعزز صورة البلاد بوصفها حاضنة لتعدد ديني وثقافي يمتد بجذوره إلى الحقبة العثمانية وما قبلها، كما قد تسهم في تخفيف أحد الملفات الخلافية في العلاقات التركية ـ اليونانية والتركية ـ الغربية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











