ترك برس

تناولت الصحفية أمينة سيتشيروفيتش كاشلي الفارق بين الخطابات الحماسية المتداولة على مواقع التواصل والواقع السياسي والعسكري، موضحة أن حماية البوسنة لا تتحقق بالحديث عن التدخل بعد اندلاع الحرب، بل بدبلوماسية وقائية تمنع نشوبها من الأساس.

وقالت الصحفية في مقال على موقع "فوكس بلس" التركي، إنه لا يمكن حماية البوسنة بعد اندلاع الحرب، بل يجب حمايتها قبل أن تبدأ الحرب أصلا.

وأضافت: عندما تشهد البوسنة توترا أو ترد أخبار مقلقة من المنطقة، نرى على مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا آلاف التعليقات المتشابهة، من قبيل: «تركيا اليوم ليست تركيا القديمة»، و«لن نسمح بتكرار ما جرى في البوسنة خلال تسعينيات القرن الماضي»، و«من يمس البوسنة سيجد تركيا في مواجهته».

وفيما يلي تتمة المقال:

وتصل مثل هذه العبارات خلال وقت قصير إلى ملايين الأشخاص. وبصراحة، لم تزعجني هذه التعليقات يوما، لأنني أعلم أنها لا تنبع من الغضب، بل من محبة صادقة للبوسنة.

فالذين يكتبونها هم أشخاص يشعرون بألم البوسنة وكأنه ألمهم، ولم ينسوا سربرنيتسا، وعرفوا علي عزت بيغوفيتش في قلوبهم لا في كتب التاريخ وحدها.

وبوصفي واحدة من البوشناق الذين عاشوا على مدى سنوات مشاعر الأخوة التي تكنها تركيا للبوسنة، فإنني أدرك جيدا قيمة هذه المواقف.

لكن إن كنا نحب البوسنة حقا، فقد حان الوقت لأن نطرح على أنفسنا بعض الأسئلة: ما معنى حماية البوسنة فعليا؟ هل تتمثل في إصدار مواقف قوية بعد اندلاع الحرب، أم في توفير الظروف التي تمنع الحرب من الاندلاع أصلا؟

إجابتي واضحة جدا: إن أفضل وسيلة لحماية البوسنة ليست مناقشة كيفية التدخل بعد نشوب الحرب، بل منعها من البداية.

فعندما تبدأ الحرب، يخسر الجميع. ونحن البوشناق من أكثر الشعوب إدراكا لهذه الحقيقة.

عندما اندلعت الحرب في البوسنة عام 1992، اعتقد معظم الناس أنها أزمة ستستمر بضعة أسابيع فقط. ولم يتخيل أحد أنها ستتحول إلى كارثة تمتد قرابة أربع سنوات.

وفي نهايتها، قُتل أكثر من مئة ألف شخص، واضطر الملايين إلى ترك منازلهم، ووقعت جرائم إبادة جماعية، ودُمرت المدن، ونشأ جيل كامل وسط صدمات الحرب.

واليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاما، ما تزال آثار الحرب ظاهرة في مناطق كثيرة من البوسنة. أما آثارها في ذاكرة الناس، فربما لن تمحى أبدا.

وعندما ننظر إلى العالم، لا يبدو المشهد مختلفا. فعندما بدأت الحرب في سوريا، ظن الجميع أنها ستكون قصيرة، لكن قرابة خمسة عشر عاما مضت منذ اندلاعها.

وفي فلسطين، تستمر المأساة الإنسانية والإبادة الجماعية أمام أعين العالم كله. ويدعو ملايين الأشخاص من أجل غزة، وتنظم المسيرات والاجتماعات الدولية، وترسل المساعدات الإنسانية.

لكن رغم كل هذا الدعم، لم يكن ذلك كافيا لوقف الحرب بعد اندلاعها. فالحرب، بمجرد أن تبدأ، لا تبقى مسألة عسكرية فقط، بل تتحول إلى عملية أكثر تعقيدا تتداخل فيها التوازنات السياسية والاقتصادية والدولية.

ولهذا تحديدا، يجب على كل من يحب البوسنة أن يميز بين الخطاب الرومانسي والواقع.

فلو اندلعت، لا قدر الله، حرب جديدة في البوسنة، فلن يكون من المنطقي أن يتوقع أي بوسني عاقل أن تقلع المقاتلات التركية لقصف الجهات التي تهاجم البوسنة.

ولا يعود ذلك إلى أن تركيا لا تحب البوسنة بالقدر الكافي، بل إلى إدراك معنى اتخاذ قرار كهذا.

فدخول دولة في حرب مباشرة من أجل دولة أخرى ليس بسهولة كتابة بضع جمل على مواقع التواصل الاجتماعي.

إنه قرار تاريخي قد يؤثر في مستقبل أكثر من 85 مليون شخص، ويجر المنطقة بأكملها إلى الصراع، ويحمل تداعيات دولية واسعة. ولا يمكن لأي إدارة مسؤولة أن تتخذ مثل هذا القرار بدافع المشاعر.

ولا يعني ذلك أن تركيا لن تقف إلى جانب البوسنة، بل يعني ضرورة فهم الشكل الأكثر قيمة وفاعلية لهذا الدعم.

فالخطوات التي يمكن اتخاذها بعد اندلاع الحرب تظل محدودة، في حين أن الدبلوماسية التي تُمارس قبل اندلاعها، والعلاقات التي تُبنى، وقدرات الردع التي تُنشأ، يمكن أن تحقق نتائج أكبر بكثير.

وقد أثبت التاريخ مرارا أن أنجح أنواع الدبلوماسية هي تلك التي لا تتصدر عناوين الصحف، لأن أعظم نجاحاتها قد تتمثل أحيانا في أزمات لم تقع أصلا.

دبلوماسية تتحدث مع الجميع

عند هذه النقطة، ينبغي قراءة السياسة التي تنتهجها تركيا في البلقان خلال السنوات الأخيرة، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، بصورة أدق.

فتركيا اليوم دولة تستطيع التحدث ليس مع سراييفو فقط، بل مع بلغراد أيضا، وتقيم حوارا مع زغرب، وتحافظ على اتصالاتها مع جميع الأطراف في المنطقة.

ونرى أحيانا على مواقع التواصل انتقادات من قبيل: «لماذا تتقارب تركيا إلى هذا الحد مع صربيا؟».

ولا أشك في أن أصحاب هذه الانتقادات يحبون البوسنة أيضا، لكن إدارة الدول لا تقوم على عاطفة مواقع التواصل، بل على استراتيجيات طويلة المدى.

فأمن البوسنة لا يمكن ضمانه بإقامة علاقات جيدة مع سراييفو وحدها، بل يتطلب أيضا القدرة على التحدث مع صربيا، ومواصلة الحوار مع كرواتيا، وامتلاك الثقة اللازمة لجمع الأطراف إلى طاولة واحدة قبل تفاقم أي أزمة.

ولو كانت تركيا صديقة للبوسنة وحدها، من دون امتلاك أي قناة اتصال مع صربيا، لكانت قدرتها على التحرك في حال وقوع أزمة محدودة بدرجة كبيرة.

أما اليوم، فإن كون أنقرة طرفا مسموعا في سراييفو وبلغراد وزغرب يصب في مصلحة البوسنة أكثر من أي طرف آخر.

فالسلام لا يُحمى بالتحدث مع الأصدقاء فقط، بل بالقدرة على الحوار أيضا مع الأطراف التي قد تنشأ معها خلافات، وهي قدرة يديرها الرئيس أردوغان بصورة ناجحة.

كل من يعرف تاريخ البلقان يدرك السرعة التي يمكن أن تتحول بها أصغر أزمة سياسية في هذه المنطقة إلى أزمة كبيرة.

وبسبب آلام الماضي، يملك الناس الحق أحيانا في التفكير بأسوأ السيناريوهات، لكن لهذا السبب تحديدا، لا تتمثل مهمة الحاضر في كتابة سيناريوهات حروب جديدة، بل في إيجاد الظروف التي تجعلها مستحيلة.

ولا تهدف السياسة الخارجية متعددة الأبعاد التي تنتهجها تركيا خلال السنوات الأخيرة إلى تطوير العلاقات الاقتصادية فحسب، بل إلى الحفاظ على الاستقرار في البلقان أيضا.

وقد لا تُفهم قيمة هذه السياسة بالكامل ما دامت الحرب لم تقع، لكن هذا هو المطلوب أصلا.

فالسياسة الناجحة لحماية السلام قد تدفع الناس إلى التساؤل: «لماذا لم يحدث شيء؟».

والجواب بسيط: لأن هناك من عمل بصمت طوال سنوات حتى لا يحدث ذلك، تماما كما تفعل تركيا.

ولا حاجة إلى إثبات عمق الروابط بين تركيا والبوسنة والهرسك.

فقد قدمت تركيا إسهامات مهمة جدا في إعادة إعمار البوسنة بعد الحرب، من خلال مشروعات الترميم التي نفذتها وكالة التعاون والتنسيق التركية «تيكا»، وأعمال المديرية العامة للأوقاف في المواقع التاريخية، ومنح رئاسة أتراك المهجر والمجتمعات ذات القربى، وأنشطة رئاسة الشؤون الدينية، ودعم عدد لا يحصى من منظمات المجتمع المدني.

وبالمثل، وقف البوسنيون إلى جانب تركيا في أيامها الصعبة. وكانت قوافل المساعدات والمتطوعون وفرق البحث والإنقاذ التي توجهت من البوسنة إلى تركيا عقب الزلازل من أجمل الأمثلة على ذلك.

ولهذا، فإن هذه المحبة ليست موضوعا يحتاج إلى نقاش، فقد ثبتت مرارا.

حماية المستقبل لا صناعة بطولات جديدة

المهم هو تحويل هذه المحبة، بالوسائل الصحيحة، إلى ضمان لمستقبل البوسنة.

فإن كنا نحب البوسنة حقا، فلا ينبغي أن يكون هدفنا الأكبر مناقشة من سيكون الأقوى في حرب جديدة.

بل يجب أن يكون هدفنا ألا تضطر أي أم في البوسنة إلى دفن طفلها مرة أخرى، وألا يصبح أي طفل لاجئا، وألا تتعرض أي مدينة للحصار من جديد.

بعد اندلاع الحرب، يمكن كتابة قصص البطولة، لكن عقل الدولة الحقيقي يتمثل في توفير الظروف التي تجعل كتابة مثل هذه القصص غير ضرورية.

وقد تكون العبارات التي تحظى بأكبر قدر من التصفيق على مواقع التواصل هي تلك التي تتحدث بلغة «سنقضي عليهم» و«سنسحقهم».

وسيكون من الظلم التقليل من محبة البوسنة الكامنة وراء هذه الكلمات، لكن مستقبل البوسنة لن تحميه تلك العبارات، بل الدبلوماسية القوية، والردع، والتعاون الاقتصادي، والعلاقات السليمة مع جميع الأطراف في المنطقة.

فأكبر قوة تمتلكها تركيا اليوم لا تقتصر على تطور صناعاتها الدفاعية، بل تشمل أيضا تحولها إلى دولة تستطيع التحدث مع الجميع، ويُستمع إلى مواقفها، ويمكنها إدارة الأزمات قبل تفاقمها.

ولهذا، عندما أسمع عبارة «تركيا اليوم ليست تركيا القديمة»، لا تتبادر إلى ذهني أولا المقاتلات أو الصواريخ.

بل أفكر في تركيا قادرة على التحدث في الوقت نفسه مع سراييفو وبلغراد وزغرب، وعلى التواصل مع جميع الأطراف، والعمل على منع الأزمات قبل اتساعها، حفاظا على السلام في البلقان.

وهذا بالضبط ما تحتاج إليه البوسنة اليوم أكثر من أي شيء آخر.

فالمطلوب ليس مناقشة كيفية الانتصار في حرب جديدة، بل الحفاظ على العقل والصبر والإرادة الدبلوماسية التي تضمن عدم اندلاع تلك الحرب من الأساس.

ومن وجهة نظري، لا ينبغي أن يكون لمن يحب البوسنة حقا أمنية مشتركة غير ذلك.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!