أحمد شوقي عفيفي - خاص ترك برس

يعد الدكتور محمد غورماز واحدا من الوجوه العلمية والدينية البارزة في تركيا المعاصرة، ومن الشخصيات التي التأم في مسيرتها رسوخ التكوين الأكاديمي بسعة التجربة الدعوية والمؤسسية. فقد شق طريقه في رحاب الحديث والسنة باحثا ومتخصصا، ثم انتقل إلى ميادين التدريس الجامعي والبحث والتأليف قبل أن تتسع دائرة عطائه في مواقع المسؤولية الدينية حتى انتهت به مسيرته إلى رئاسة الشؤون الدينية التركية بوصفه الرئيس السابع عشر لهذه المؤسسة كما شغل منصب نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

ولد محمد غورماز في الأول من يناير عام 1959 في قضاء نيزيب التابع لولاية غازي عنتاب جنوب شرقي تركيا، ونشأ في بيئة أناضولية تعددت فيها الجذور وتداخلت فيها المكونات الثقافية. وفي مسقط رأسه تلقى تعليمه الابتدائي، ثم انتقل إلى مركز المدينة، حيث أتم المرحلتين المتوسطة والإعدادية لتبدأ بعد ذلك رحلته مع العلم التي ستغدو الملمح الأبرز في حياته.

وكان عام 1983 منعطفا مهما في مسيرته العلمية حين التحق بكلية الإلهيات في جامعة أنقرة، إحدى المؤسسات الجامعية العريقة في ميدان الدراسات الإسلامية في تركيا. وفي رحابها تلقى تكوينه الأكاديمي حتى أتم دراسته الجامعية عام 1987.

وواصل دراساته العليا في الكلية نفسها، واختار قسم الحديث ضمن قسم العلوم الإسلامية الأساسية ليجعل من السنة النبوية ومناهج فهم الحديث وتفسيره ميدانا لتخصصه العلمي، وهو الميدان الذي سيلازمه في بحوثه ومؤلفاته طوال مسيرته الأكاديمية.

ولم يكن الشيخ محمد غورماز في تلك السنوات طالب علم تحيط به الكتب وقاعات المحاضرات فحسب، بل جمع منذ وقت مبكر بين المعرفة النظرية والممارسة الدعوية الميدانية، فاشتغل بتعليم القرآن الكريم، وتولى الإمامة والخطابة والوعظ. وهكذا اجتمع له في مرحلة التكوين صوت الجامعة وصوت المسجد، وخبرة البحث وخبرة المنبر، فأتاحت له هذه التجربة أن يصل المعرفة الأكاديمية بواقع الناس، وأن يقرأ القضايا الدينية والفكرية من خلال معايشة المجتمع إلى جانب النظر فيها من خلال البحث والدراسة.

وفي عام 1988 فتحت أمامه الرحلة في طلب العلم أفقا جديدا، إذ حصل على منحة من وزارة التربية الوطنية التركية، فسافر إلى مصر، وأقام فيها عاما متفرغا للدراسة والبحث في جامعة القاهرة.

وعاد الشيخ محمد غورماز إلى تركيا ليواصل دراساته العليا، فنال عام 1990 درجة الماجستير بعد مناقشة رسالته الموسومة بموسى جار الله بيغييف: حياته وآراؤه ومؤلفاته. ولم يتوقف عند هذا الحد، بل مضى مباشرة إلى مرحلة الدكتوراه متوغلا في واحدة من القضايا الدقيقة في الدراسات الحديثية، وهي المناهج التي ينبغي أن تحكم فهم السنة النبوية وتفسير نصوصها. وبعد سنوات من البحث والدراسة أنجز أطروحته الموسومة بالمشاكل المنهجية في فهم وتفسير السنة والأحاديث، ونال بها درجة الدكتوراه عام 1995. وقد حظي هذا الجهد العلمي بالتقدير، فنال عنه الجائزة الأولى في الأبحاث الإسلامية لوقف الديانة التركي عام 1996.

وبعد أن استكمل هذه المرحلة من تكوينه، انتقل من مقاعد التحصيل إلى ميادين التعليم وصناعة المعرفة، فعمل محاضرا في كلية الإلهيات بجامعة أحمد يسوي خلال الفترة من عام 1995 إلى عام 1997 كما شارك في إعداد برنامج المعهد العالي للإلهيات في جامعة الأناضول لتتسع بذلك تجربته من البحث الفردي إلى الإسهام في التعليم والتكوين ووضع البرامج العلمية.

ولم تتوقف رحلته العلمية عند حدود تركيا، ففي عام 1997 سافر إلى بريطانيا، وأقام فيها حتى عام 1998 متفرغا للدراسة والبحث في مجال تخصصه. وهكذا تنقلت تجربته العلمية بين أنقرة والقاهرة وبريطانيا، وتعددت البيئات التي نهل منها واحتك بها، وهو ما أضفى على تكوينه بعدا أوسع من حدود التجربة الأكاديمية المحلية.

وبعد عودته إلى وطنه مضى متدرجا في مدارج الحياة الجامعية، فنال رتبة الأستاذ المساعد عام 1998، ثم ارتقى إلى درجة الأستاذ المشارك عام 1999 حتى توج مسيرته الأكاديمية بحصوله على درجة الأستاذية عام 2006. وفي غضون ذلك، ألقى محاضرات في كلية التربية بجامعة حاجت تبة في أنقرة بين عامي 2001 و2003 مواصلا نشاطه في التدريس والبحث، ومراكما تجربة علمية امتزج فيها التخصص في السنة النبوية بالانشغال بقضايا الفكر والمجتمع والدعوة.

وفي الثالث عشر من أغسطس عام 2003، دخل الأستاذ  الدكتور محمد غورماز طورا جديدا من أطوار مسيرته حين انتقل من رحاب الجامعة والبحث العلمي إلى ميدان المسؤولية الدينية العليا، فعين نائبا لرئيس الشؤون الدينية التركية. ومكث في هذا الموقع قرابة سبعة أعوام، خبر خلالها دقائق العمل المؤسسي، وراكم تجربة واسعة في إدارة الشأن الديني والإشراف على برامجه ومؤسساته حتى غدا مؤهلا لتولي المسؤولية الأولى في هذه المؤسسة.

وفي الحادي عشر من نوفمبر عام 2010، أسندت إليه رئاسة الشؤون الدينية التركية خلفا للدكتور علي بارداق أوغلو ليصبح الرئيس السابع عشر لهذه المؤسسة. ولم يكن وصوله إلى هذا المنصب منفصلا عن مسيرته السابقة، بل جاء تتويجا لسنوات طويلة من البحث والتدريس والدعوة والعمل المؤسسي. وفي عام 2015 جدد مجلس الوزراء التركي الثقة به، فأعيد تعيينه رئيسا للشؤون الدينية، وظل قائما بهذه المسؤولية حتى الحادي والثلاثين من يوليو عام 2017.

وقد اتسمت سنوات رئاسته بحضور ملحوظ في المحافل العلمية والدينية، وانفتاح واسع على قضايا العالم الإسلامي. فلم تنحصر عنايته في الشأن الديني الداخلي، بل سعى إلى أن تكون المؤسسة جسرا للتواصل بين العلماء، ومنبرا للحوار حول القضايا التي تعصف بالمجتمعات المسلمة، وفي مقدمتها قضايا السلام والاعتدال والتسامح ومواجهة نزعات الغلو والانقسام.

وفي هذا السياق، استضافت رئاسة الشؤون الدينية في يوليو عام 2013 اجتماع مبادرة العلماء المسلمين للسلام والاعتدال والتسامح، الذي التأم فيه علماء ومفكرون من اثنتين وثلاثين دولة، وانتهى إلى إعلان تناول قيم التسامح والاعتدال في الشريعة الإسلامية. كما شهد عهده عام 2014 إطلاق مسابقة عالمية للقرآن الكريم للقراء والحفاظ المكفوفين في صورة تعكس اتساع دائرة اهتمام المؤسسة بالقرآن وأهله، وحرصها على إشراك فئات مختلفة في أنشطتها الدينية والعلمية.

ولم تقف رسالة المؤسسة في عهده عند حدود التعليم والإرشاد وعقد المؤتمرات، بل امتدت إلى ميدان العمل الإنساني والإغاثي حيث تلاقت رسالة الدين مع واجب الرحمة بالإنسان وإغاثة الملهوف. فقد رعت رئاسة الشؤون الدينية عددا من الجهود الإغاثية التي نفذتها تركيا، وكان من أبرزها حملة إغاثة الصومال إبان المجاعة التي ألمت به عام 2011، كما شاركت في تنسيق الحملة التركية لإغاثة غزة خلال العدوان الإسرائيلي عليها في شهري يوليو وأغسطس عام 2014.

ولم تكن تجربة الشيخ محمد غورماز محصورة في الإطار التركي، فقد تجاوز حضوره حدود وطنه إلى فضاء العمل الإسلامي العالمي، إذ شغل منصب نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. وجاءت هذه المسؤولية امتدادا طبيعيا لمسيرة عالم حمل هم الشأن الإسلامي العام، وعني بقضايا العلماء والمسلمين، وأدرك أهمية التواصل والتعاون بين المؤسسات والشخصيات العلمية في مختلف الأقطار. وقد أتاح له هذا الموقع مجالا أرحب للإسهام في قضايا الأمة، والتواصل مع العلماء والمفكرين، والمشاركة في الجهود الرامية إلى جمع الكلمة وتعزيز جسور التعاون بين علماء المسلمين. 
وبعد سنوات من العطاء في رحاب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، آثر الشيخ الأستاذ الدكتور محمد غورماز أن يضع عن كاهله أعباء منصب نائب الرئيس، فاستقال منه ليفتح صفحة جديدة في مسيرته العلمية والمؤسسية. ثم تولى رئاسة الجامعة الإسلامية العالمية للعلوم والتكنولوجيا حاملا إليها خلاصة تجربة علمية وإدارية ثرية، ومواصلا رسالته في خدمة العلم، وبناء الأجيال، والإسهام في ترسيخ حضور المعرفة الإسلامية في فضاءات التعليم والبحث المعاصر.

وعلى الصعيد الفكري، شغلت قضايا التعددية والتعايش حيزا مهما من اهتمامه، إذ عني بدراسة طبيعة المجتمعات المتنوعة، ونظرة الإسلام إلى التعايش بين مكوناتها كما أولى اهتماما خاصا بأوضاع الجاليات والأقليات المسلمة في أنحاء العالم، وبالسؤال الدقيق المتعلق بكيفية اندماج المسلمين في المجتمعات التي يعيشون فيها من غير أن يفقدوا هويتهم الدينية وخصوصيتهم الثقافية. 

ومع اتساع اهتماماته الفكرية والمؤسسية، ظلت السنة النبوية هي المحور الأصيل في تكوينه العلمي. فقد صاحبته منذ سنوات التخصص الأولى، وظل منشغلا بقضايا فهم النص الحديثي وتفسيره، ومناهج التعامل مع السنة، ومكانتها وأثرها في تشكيل الوعي وبناء المجتمعات الإسلامية. ومن هنا التقت في شخصيته عناية المحدث بالنص مع انشغال المفكر بأسئلة الواقع وتحولاته.

كما عرف الشيخ محمد غورماز بموقفه الرافض للغلو والتطرف واستغلال الدين في تسويغ العنف حتى بلغ الصدام بين خطابه وبين الاتجاهات المتطرفة أن أعلن تنظيم داعش تكفيره وعده مرتدا. ويكشف ذلك عن المسافة الفاصلة بين رؤيته القائمة على الاعتدال والتعايش، وبين القراءة المتشددة التي اتخذت من العنف سبيلا ومن التكفير منهجا.

ولم تزاحم المسؤوليات الإدارية والمؤسسية عنايته بالبحث والتأليف، فقد خلف نتاجا علميا متنوعا في الحديث والسنة والفكر الإسلامي. ومن مؤلفاته الحديث والسنة عند الغزالي، والقيمة الواقعية للحديث والسنة، وموسى جار الله بيغييف، الذي ترجم إلى اللغة الروسية، والإشكالية المنهجية في فهم وتفسير الحديث والسنة. كما نقل عددا من الكتب من العربية إلى التركية، وأسهم بفصل في كتاب إشكالية تأصيل مكانة السنة. 
وإلى جانب مؤلفاته، نشر بحوثا ودراسات في عدد من الدوريات العلمية، منها مجلة كلية الإلهيات، ومجلة العلوم الدينية، ومجلة إسلاميات، ومجلة البحوث الإسلامية. وكتب عشرات المقالات والأوراق العلمية، وشارك في مؤتمرات وندوات داخل تركيا وخارجها كما نشرت رئاسة الشؤون الدينية ووقف الديانة التركي عددا من بحوثه وأوراقه التي قدمها في تلك المحافل، فامتد عطاؤه من الكتاب إلى المحاضرة، ومن البحث الأكاديمي إلى المؤتمر العلمي.

وقد أعانته قدرته اللغوية على هذا الحضور المتعدد، فهو يتقن التركية والعربية والإنجليزية، كما يتحدث جزئيا إحدى اللهجات الكردية المحلية. وفتحت له هذه المعرفة أبواب التواصل المباشر مع بيئات علمية وثقافية مختلفة، ووسعت دائرة مشاركته في المحافل الإسلامية والدولية.

وهكذا امتدت مسيرة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد غورماز من التخصص في الحديث والسنة إلى التدريس والبحث والتأليف، ثم إلى العمل الدعوي والمؤسسي، فرئاسة الشؤون الدينية التركية ونيابة رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. وقد جمع في مسيرته بين العلم والدعوة والعمل المؤسسي، وظلت السنة النبوية وقضايا الأمة حاضرة في فكره وعطائه.

عن الكاتب

أحمد شوقي عفيفي

داعية إسلامي وكاتب بنغلاديشي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس