ترك برس

كتب الباحث محمد مظلوم تشليك لموقع "فوكس بلس" القصة الاستثنائية للسيدة الحرة؛ المرأة المسلمة التي نشأت وهي تحمل آلام الأندلس، بعدما أُجبرت على مغادرتها في طفولتها، ثم أصبحت حاكمة مدينة تطوان، وأقامت تحالفًا قويًا مع القائد البحري العثماني خير الدين بربروس. وبفضل هذا التحالف وشبكة استخباراتها الواسعة، نجحت في تضييق الخناق على الإسبان في البحر المتوسط.

وقال الكاتب إنه بناءً على رغبة عائلتها، تزوجت السيدة الحرة رجلًا مغربيًا مسنًا يُدعى علي سيدي المنظري، ويُعرف أيضًا باسم محمد المنظري. وكان هذا الزواج نقطة تحول حاسمة في حياتها، إذ كان زوجها أحد أبرز حكام المدن في المغرب.

وأضاف: وسرعان ما ذاع صيت السيدة الحرة في أنحاء البلاد بفضل ذكائها والنصائح التي كانت تقدمها لزوجها في شؤون الحكم. وعندما توفي علي المنظري، اتخذ ملك المغرب ابن محمد قرارًا نادرًا وغير مألوف، فعين السيدة الحرة حاكمة جديدة لمدينة تطوان خلفًا لزوجها.

وفيما يلي تتمة المقال:

وفي الوقت الذي كانت فيه عشرات الآلاف من النساء في أوروبا، ولا سيما في إسبانيا خلال عهد الملكة إيزابيلا، يُتهمن بالسحر ويُحرَقن، كانت امرأة مسلمة في المغرب تشق طريقها بثبات نحو أعلى مراتب السلطة السياسية.

وكان اسمها الكامل عائشة بنت علي بن رشيد العلمي، وقد أصبحت آنذاك واحدة من أذكى الشخصيات القيادية في السياسة المغربية. وعندما كان ملك المغرب أو البحارة الذين يتحركون باسم الدولة العثمانية يواجهون أزمة في البحر المتوسط، كانت السيدة الحرة أول من يلجؤون إليه طلبًا للمساعدة والمشورة.

وازدادت قوتها ونفوذها بعد زواجها من أبي العباس أحمد بن محمد، أحد أبرز الشخصيات السياسية في المغرب.

امرأة تفرض نفوذها على البحر المتوسط

عندما التقى خير الدين بربروس بالسيدة الحرة للمرة الأولى، أُصيب بالدهشة أمام امرأة استطاعت أن تجمع بين يديها هذا القدر الهائل من القوة والنفوذ. لكنه في البداية قلل من شأنها بسبب كونها امرأة، ولم يأخذ الأفكار التي قدمتها إليه على محمل الجد.

غير أن بربروس أدرك خلال وقت قصير أنه يقف أمام قائدة تمتلك قدرة استثنائية على وضع الاستراتيجيات العسكرية، وتعرف موازين القوى وتحولات المنطقة معرفة دقيقة.

ولم تمضِ مدة طويلة حتى أصبح خير الدين بربروس، أحد أعظم القادة البحريين في التاريخ، يقصد باب السيدة الحرة عند التخطيط لمعظم عملياته الكبرى أو إجراء مباحثات التحالفات.

ووصل الأمر إلى حد أن بحارة البحر المتوسط كانوا يضعون خططهم العسكرية في تطوان، ويودعون غنائمهم لدى السيدة الحرة، في حين أخذت الدبلوماسية البحرية تنتقل تدريجيًا إلى دائرة سيطرتها.

وتحولت تطوان إلى واحدة من أغنى مدن البحر المتوسط، وأصبح ملوك فرنسا وإسبانيا والبرتغال يطرقون باب السيدة الحرة للتفاوض بشأن تبادل الأسرى.

عند هذه المرحلة، طورت السيدة الحرة استراتيجية كان من شأنها أن تغير تاريخ الملاحة البحرية من جذوره. فقد اعتاد البحارة المسلمون بيع الأسرى الذين يقعون في أيديهم في أسواق الرقيق أو إطلاق سراحهم مقابل فدية. أما السيدة الحرة فأنشأت شبكة استخبارات واسعة امتدت في مختلف أنحاء البحر المتوسط، وجندت مخبرين من بين التجار والقراصنة، بل ومن داخل صفوف قوات الأعداء نفسها.

ولم تُستخدم هذه الشبكة في وضع الاستراتيجيات الحربية فحسب، بل أصبحت أيضًا أداة فعالة في إدارة العلاقات الدبلوماسية. وكانت المعلومات التفصيلية تُجمع حول هوية كل أسير ومكانته السياسية والاجتماعية وحجم نفوذه، وبذلك تحول الأسرى المهمون إلى أوراق ضغط قوية على طاولات المفاوضات.

وأدى هذا الأسلوب إلى الحد بصورة كبيرة من المغامرات البحرية التي اعتاد الأمراء والنبلاء الأوروبيون المشاركة فيها. فقبل ظهور السيدة الحرة، كان النبلاء الغربيون يذهبون إلى القتال ضد المسلمين بعدما يخصصون مبلغًا صغيرًا للفدية، ويتعاملون مع الحرب باعتبارها مغامرة عابرة. وقد ساعد ذلك الغربيين على الاحتفاظ بحضور قوي ومتواصل في البحار.

لكن شبكة المخبرين التي أسستها السيدة الحرة غيّرت قواعد اللعبة تمامًا. فقد كان النبيل الأوروبي يوضع تحت المراقبة قبل أن يغادر مدينته، ويجري تعقبه بدقة حتى تُعرف السفينة التي يستقلها. وعندما يقع هؤلاء الأشخاص في الأسر، لم يكن بإمكانهم استعادة حريتهم إلا بدفع ثروات هائلة، أو كانوا يتحولون إلى أوراق سياسية تُستخدم في المفاوضات الدبلوماسية.

ولم يغب هذا التطور عن أنظار إسطنبول. فقد ارتبط تصاعد شهرة خير الدين بربروس وتعاظم مكانته، إلى جانب انتصاراته العسكرية، بالأسرى البارزين الذين كان يرسلهم إلى العاصمة العثمانية.

أما العقل الذي وقف خلف جانب مهم من هذه النجاحات، فكان عقل امرأة هي السيدة الحرة.

حامية المسلمين في البحر المتوسط

لم تصعد السيدة الحرة بنفسها إلى متن السفن للمشاركة في المعارك، لكنها أنشأت نظامًا جعلها مطلعة على تحركات معظم السفن في البحر المتوسط.

ومن خلال تحالفها مع خير الدين بربروس، ألحقت بإسبانيا والبرتغال خسائر فادحة، وحولت وجودهما في البحر المتوسط إلى معاناة متواصلة. وكانت السيدة الحرة شديدة القسوة تجاه الإسبان على وجه الخصوص.

فبفضل شبكتها الاستخباراتية القوية، كان يجري اكتشاف الغارات الإسبانية قبل وقوعها، فتُتخذ التدابير اللازمة، ويُحمى المسلمون من الوقوع في الأسر والاستعباد.

كذلك كانت السيدة الحرة تقف خلف التخطيط للعديد من الغارات المدمرة التي استهدفت السواحل الإسبانية.

وبعد خير الدين بربروس، أصبحت السيدة الحرة أكثر شخصية يكرهها الإسبان. ووصلت كراهيتهم لها إلى درجة أنهم طالبوا البابوية مرات عديدة بإقامة طقوس دينية من أجل لعنها.

وعلى الرغم من أنها ضيقت الخناق على إسبانيا في البحر المتوسط طوال نحو ثلاثين عامًا، فإنها لم تتمكن من تحقيق حلمها الأكبر المتمثل في استعادة غرناطة.

ومع ذلك، نظمت مئات الغارات الانتقامية من أجل الأندلس، واستطاعت إلى حد بعيد أن تثأر للمأساة التي عاشها أهلها، وأن تجعل من اسم السيدة الحرة واحدًا من أكثر الأسماء حضورًا وهيبة في تاريخ البحر المتوسط.

يمكن ضبط الصياغة لتصبح أكثر تاريخية وأكاديمية، أو أكثر تشويقًا بما يناسب النشر الصحفي.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!