
ترك برس
يرى الكاتب التركي محمد علي بال، في مقال نشره موقع «خبر 7»، أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لا يمكن النظر إليها باعتبارها مواجهة إقليمية معزولة، بل ينبغي وضعها ضمن استراتيجية أوسع تتصل بإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط ومواجهة النفوذ الصيني.
ويشير بال إلى أن سلسلة التطورات العسكرية التي بدأت مع الهجوم الإسرائيلي على إيران في يونيو/حزيران 2025، ثم العملية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة في فبراير/شباط 2026، والتي استهدفت القيادة العليا الإيرانية، جاءت في سياق أوسع من الصراعات المتداخلة التي بدأت منذ هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما أعقبه من عمليات إسرائيلية ضد إيران وحلفائها في سوريا ولبنان، إلى جانب الحرب على غزة.
ويعتبر الكاتب أن هذه الأحداث، حتى في حال استبعاد التفسيرات القائمة على «نظرية المؤامرة»، تبدو نتاجاً لتخطيط واستراتيجية واسعة، خصوصاً في ما يتعلق بتمويل الحرب وإمدادات الأسلحة والذخائر واللوجستيات. ويرى أن الولايات المتحدة، باعتبارها قوة عسكرية عالمية، يصعب تصور أنها ارتكبت إهمالاً في هذه الجوانب، حتى مع احتمال عدم نجاح بعض منظومات الأسلحة أو عدم تقدير حجم المقاومة الإيرانية بالشكل الكافي.
ويقول بال إن بعض التحليلات التي تتحدث عن فشل الولايات المتحدة في الحرب، أو نفاد ذخيرتها، أو عدم فاعلية حاملات الطائرات الأمريكية، لا تعكس بالضرورة الصورة الكاملة لمسار المواجهة. ويشير إلى أن واشنطن اتبعت في الفترة الأخيرة نمطاً يقوم على «الهجوم- التفاوض- الهجوم- التفاوض- الهجوم»، مع تولي الولايات المتحدة زمام المبادرة في معظم الهجمات، بينما تركز الرد الإيراني على ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز والمنشآت الحيوية في الدول العربية الحليفة لواشنطن.
ويرى الكاتب أن هذا الأسلوب يخدم، وفق تقديرات خبراء في الحرب والسياسة، هدف إنهاك إيران وإبقائها في حالة استنزاف، معتبراً أن ما تشهده المنطقة منذ عام 2023 لا يمثل حروباً منفصلة، وإنما «عمليات حرب معيارية» مترابطة يجري تنفيذها على مراحل وأشكال مختلفة.
ويشير بال إلى أن الولايات المتحدة عملت منذ بداية الأزمة السورية على بناء منظومة تحالفات إقليمية قادرة على مواجهة إيران، إضافة إلى إنشاء آليات عسكرية يمكنها العمل بصورة أكثر استقلالاً في المنطقة. ويعتبر أن سوريا لم تعد تمثل «الحديقة الخلفية» لإيران، فيما تعرض نفوذ طهران في لبنان لخسائر كبيرة.
وفي السياق ذاته، يرى الكاتب أن واشنطن تسعى إلى منع الصين من توسيع نفوذها في الشرق الأوسط باستخدام أدوات القوة الناعمة والوساطة، ويستشهد بالاتفاق الذي وقعته السعودية وإيران في بكين في 10 مارس/آذار 2023 بوساطة صينية، والذي نص على استئناف العلاقات الدبلوماسية وفتح السفارات واحترام سيادة البلدين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ويعتبر بال أن التقارب السعودي الإيراني كان يمثل نموذجاً مهماً للدور الصيني المتنامي في المنطقة، وأن الولايات المتحدة عملت لاحقاً على تقويض هذا المسار. ومن هنا يخلص إلى أن واشنطن لا تتعامل مع إيران باعتبارها قضية منفصلة يمكن حلها على المدى القصير، وإنما باعتبارها جزءاً من صراع أطول وأكثر تعقيداً مع الصين.
أسئلة حول احتمال توسع الحرب
ويطرح الكاتب مجموعة من التساؤلات بشأن ما إذا كانت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ستظل محصورة بين الأطراف الحالية، أم أن واشنطن وتل أبيب ستسعيان إلى نقل أعبائها إلى دول وتحالفات أخرى، فضلاً عن تساؤلات حول طبيعة التوازن الذي تريد الولايات المتحدة تحقيقه مع الصين، والفارق بين شبكات الحلفاء واللوجستيات العالمية لدى واشنطن وبكين.
ويرى بال أن الحرب تبدو في الوقت الراهن جزءاً من مواجهة عالمية، وليس مجرد حرب إقليمية، لأن الولايات المتحدة، وهي القوة العظمى، تخوض مواجهة مع قوة إقليمية ترتبط بمشروعات استراتيجية للصين، التي تمثل القوة الكبرى المنافسة لواشنطن.
ويحذر من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدي إلى اتساع دائرة الأطراف المشاركة فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مشيراً إلى أن العديد من القوى في الشرق الأوسط أصبحت مرتبطة بدرجات مختلفة بتحالفات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في وقت تتداخل فيه الصراعات الإقليمية في السودان وشرق المتوسط ومناطق أخرى.
ويستشهد الكاتب بالسودان، حيث يرى أن الحرب الأهلية هناك تكشف جانباً من تداخل التحالفات الدولية والإقليمية، مشيراً إلى علاقات إسرائيل والإمارات، وإلى استخدام أسلحة من مصادر مختلفة، بينها تركيا والصين، إلى جانب أسلحة ومنظومات عسكرية أمريكية وأوروبية وروسية.
ويشير كذلك إلى أن بعض الدول لا تزال تحاول الحفاظ على هامش من الاستقلال في ظل هذه التحالفات، مستشهداً بتركيا وقطر. ويقول إن أنقرة ترتبط بتعاون عسكري مهم مع الدوحة، لكنها لم تتمكن، وفق تقديره، من لعب دور مؤثر في مواجهة الصواريخ الإيرانية التي استهدفت قطر، مرجعاً ذلك جزئياً إلى حرص تركيا على عدم الإضرار بعلاقاتها مع إيران.
ويعتبر أن هذا الوضع ينعكس على موقع تركيا في الشرق الأوسط، خصوصاً في ظل تشابك علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، كما يحذر من أن التحالفات الإقليمية يمكن أن تتغير بسرعة تحت ضغط القوة الأمريكية، ما يجعل الحديث عن أمن مطلق للدول المنضوية فيها أمراً صعباً.
واشنطن والصين.. صراع على الموارد والتحالفات
ويرى بال أن الولايات المتحدة تخطط لإطالة أمد الحرب، وأن الصراع الحالي لا ينبغي توقع انتهائه خلال عام أو عامين، بل قد يشهد لسنوات أشكالاً مختلفة من الحرب، بما فيها الحرب التقليدية وغير المتكافئة وغير النظامية والحرب بالوكالة والحرب متعددة المراحل.
وفي المقابل، تعتمد الصين بدرجة كبيرة على احتياطاتها الوطنية، بينما تعمل الولايات المتحدة، بحسب الكاتب، على تقييد وصول بكين إلى الموارد والاحتياطيات العالمية. ويشير إلى أن واشنطن تسعى إلى السيطرة على المناطق التي يمكن أن تصل إليها الصين مستقبلاً، وعلى الدول التي قد تشكل معها تحالفات استراتيجية.
ويضيف أن الصين تعمل على بناء شبكة من الموانئ والشراكات الإقليمية لشركاتها، لكن الولايات المتحدة لا تزال تتمتع بنفوذ واسع على أنظمة السيادة في العديد من هذه المناطق، فضلاً عن سيطرتها على طرق العبور العالمية والمضائق والممرات الاستراتيجية.
ويشير الكاتب إلى أن الولايات المتحدة تعمل بالتزامن مع استمرار الحروب على توسيع مراكز الصناعات الدفاعية العالمية في دول مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا واليابان وكوريا الجنوبية والهند، بينما تتأخر الصين في إنشاء قواعد إنتاج خارجية، رغم استمرارها في بيع الأسلحة لحلفائها، فضلاً عن تحفظها في مشاركة التكنولوجيا لأسباب أمنية.
ويخلص إلى أن شبكة اللوجستيات والتحالفات الأمريكية لا تزال أوسع وأكثر تنوعاً من نظيرتها الصينية، وهو ما يمنح واشنطن، في تقديره، ميزة مهمة في أي صراع عالمي طويل الأمد.
المجمع الصناعي العسكري والحروب
وينتقل بال إلى سؤال آخر يتعلق بالعلاقة بين الحروب وتطور الصناعات الدفاعية، متسائلاً عما إذا كانت الحروب هي التي تدفع الصناعات العسكرية إلى التطور، أم أن الإنتاج العسكري نفسه أصبح عاملاً يدفع الدول نحو الحروب.
ويرى أن الصناعات الدفاعية الحديثة لم تعد مجرد نتيجة للحروب أو وسيلة للاستعداد لها، بل أصبحت، في بعض الحالات، أحد أسباب استمرارها. ويشبه الكاتب ذلك بمنطق الإنتاج والاستهلاك في النظام الرأسمالي، قائلاً إن الصناعات الدفاعية تسعى إلى خلق أسواق ومستهلكين لمنتجاتها، وبالتالي قد تستفيد من استمرار ظروف الحرب.
ويعتبر أن «المجمع الصناعي العسكري» الأمريكي يمثل قوة سياسية وعسكرية واقتصادية مؤثرة داخل الولايات المتحدة وخارجها، مشيراً إلى أن شركات الصناعات الدفاعية أبرمت، بحسب تقديره، اتفاقيات عسكرية جديدة قبل اندلاع الحروب الحالية وأثناءها، وأن استمرار تشغيل خطوط الإنتاج بأقصى طاقتها يمكن أن يكون مؤشراً على استمرار الصراعات.
وفي هذا السياق، يلفت الكاتب إلى العلاقة بين نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس والرئيس التنفيذي لشركة «بالانتير» بيتر ثيل، معتبراً أن هذه العلاقة تعكس، في رأيه، تنامي نفوذ شركات التكنولوجيا المتقدمة على صناعة القرار السياسي والعسكري الأمريكي.
ويذهب بال إلى حد القول إن الشركات الأمريكية الكبرى لا تكتفي بإنتاج التكنولوجيا، وإنما تسعى أيضاً إلى التأثير في الدولة وتوجيه سياساتها بما يخدم مصالحها، مشيراً إلى أن شركات التكنولوجيا ذات الاستخدامات العسكرية، مثل «بالانتير»، أصبحت ممثلة في مستويات مختلفة من مؤسسات الدولة الأمريكية.
تحذير لتركيا من تداعيات الحرب
وفي الجزء الأخير من مقاله، يحذر بال من أن الحرب الحالية قد تستمر لفترة طويلة، داعياً تركيا إلى الاستعداد وفق هذا الاحتمال. ويشير إلى أن روسيا نفسها، رغم اعتمادها الكبير على إنتاج الأسلحة، تعمل على تعزيز شرعية القيادة السياسية داخلياً، معتبراً أن وحدة المجتمع وشرعية القيادة تمثلان من أهم عناصر القدرة على خوض حرب طويلة.
ويحذر الكاتب من احتمال أن تصبح تركيا طرفاً فعلياً في الحرب بصورة مباشرة أو غير مباشرة، معتبراً أن مخاطر امتداد الصراع إلى قوى إقليمية أخرى قائمة.
كما يحذر من سعي الولايات المتحدة إلى تحميل حلفائها أدواراً أكبر في الحرب ضد إيران، من خلال شبكة التحالفات التي تعمل واشنطن على بنائها في أوروبا والشرق الأوسط وأوقيانوسيا. ويستشهد بأستراليا التي يقول إنها غيّرت ميزانيتها العسكرية وأهدافها ومشروعاتها وسياستها الخارجية تحت ضغط أمريكي، فضلاً عن الفلبين وإندونيسيا، اللتين يرى أن مسارهما قد يتجه نحو توفير موارد بشرية في حال اندلاع حرب إقليمية.
ويضيف أن اليابان وكوريا الجنوبية دخلتا في تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة بدوافع خاصة بهما، بينما تواصل الهند منافستها للصين، في حين تبقى روسيا قوة مهمة بالنسبة إلى تركيا على المستوى الإقليمي، رغم ابتعادها عن القدرة على بناء تحالف متكامل مع الصين.
وفي هذا الإطار، يعتبر الكاتب أن قرار إرسال صواريخ وذخائر أمريكية قديمة موجودة في المخزون التركي إلى أوكرانيا يمثل خطوة شديدة الخطورة، حتى لو لم تكن مرتبطة بصورة مباشرة بالحرب على إيران، لأن واشنطن، بحسب تحليله، تستطيع استخدام التحالف مع أوكرانيا كوسيلة لإظهار الدول في المعسكر الأمريكي والغربي بصورة أكثر وضوحاً، حتى عندما لا ترغب تلك الدول في الظهور كطرف مباشر في مواجهة إيران.
ويخلص بال إلى أن منطق التحالفات العسكرية الأمريكية الجديدة يقوم، في رأيه، على تحميل الحلفاء المسؤوليات أكثر من تقديم المساعدات لهم، وتشمل هذه المسؤوليات الجوانب الاقتصادية والسياسية والعسكرية. ويقول إن واشنطن تتعامل مع حلفائها وفق تصنيفات مختلفة، وتستفيد من موارد كل دولة بحسب احتياجاتها، بما في ذلك النفط والتكنولوجيا والموارد البشرية.
ويحذر الكاتب من أن هذا النموذج من التحالفات، ولا سيما نسخته في الشرق الأوسط، يستوجب دراسة دقيقة من جانب الدول المعنية، داعياً إلى التعامل بحذر مع المخاطر والتحالفات والأهداف الناشئة عن الحرب، وإلى إعداد سيناريوهات تشمل مختلف الاحتمالات، في ظل صراع يرى أنه مرشح للاستمرار والتوسع.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










