
ترك برس
استضافت العاصمة التركية أنقرة، يومي 15 و16 أغسطس/آب الجاري، ورشة عمل اقتصادية خُصصت لبحث أبرز التحديات والفرص المرتبطة بإعادة إعمار سوريا وإنعاش اقتصادها، وذلك في إطار مشروع "إعادة إعمار سوريا"، بدعم من المديرية العامة للعلاقات مع المجتمع المدني التابعة لوزارة الداخلية التركية، وتنفيذ مؤسسة الشرق الأوسط (Ortadoğu Vakfı).
وقال الأكاديمي الاقتصادي التركي فاتح قرشانلي، في سلسلة تدوينات نشرها عقب الورشة، إن الاجتماعات تناولت بصورة شاملة القضايا الرئيسية التي يُتوقع أن تواجه عملية إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي في سوريا، مع التركيز على الآليات القادرة على تحقيق الاستقرار وتحريك النشاط الاستثماري والإنتاجي.
المصارف والطاقة والاتصالات في صدارة النقاشات
وأوضح قرشانلي أن المشاركين ناقشوا عدداً من الملفات الحيوية، في مقدمتها إعادة تأهيل القطاع المصرفي والمالي، وتهيئة الظروف اللازمة لتدفق التمويل والاستثمارات، إلى جانب الاستثمارات المطلوبة في البنية التحتية، ولا سيما قطاع الطاقة الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المرتكزات الأساسية لإعادة تشغيل الاقتصاد والقطاعات الإنتاجية.
كما تناولت الورشة قطاع الاتصالات ودوره في عملية التعافي، فضلاً عن السياسات اللازمة لدعم النمو الاقتصادي، في ظل الحاجة إلى إعادة بناء بنية اقتصادية قادرة على جذب الاستثمارات وتحفيز الأنشطة التجارية والإنتاجية.
تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة
وبحسب قرشانلي، حظيت مسألة توفير مصادر تمويل مستدامة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بحيز مهم من المناقشات، نظراً إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه المؤسسات في خلق فرص العمل وإعادة تنشيط الأسواق المحلية ودعم عملية التعافي من القاعدة الاقتصادية.
وتطرقت النقاشات كذلك إلى المشكلات الهيكلية التي قد تعوق تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وسبل تحسين بيئة الاستثمار وإيجاد الأطر اللازمة لإشراك القطاع الحقيقي بصورة أكثر فاعلية في عملية إعادة الإعمار.
وشددت المداولات، وفق ما نقله قرشانلي، على أن إعادة الإعمار لا تقتصر على إعادة بناء المنشآت والبنية التحتية، وإنما تتطلب كذلك معالجة الاختلالات الاقتصادية والمالية وتهيئة بيئة مؤسسية وتمويلية تتيح للقطاع الخاص والشركات المحلية المشاركة في عملية التعافي على نحو مستدام.
توصيات للقطاعين العام والخاص
وأعرب الأكاديمي التركي عن أمله في أن تسهم التقييمات والتوصيات التي خرجت بها الورشة في إرشاد الأطراف المعنية بملف إعادة إعمار سوريا، وفي مقدمتها المؤسسات العامة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية.
وتأتي الورشة في سياق اهتمام متزايد لدى مؤسسات بحثية ومدنية تركية ببحث مرحلة إعادة الإعمار في سوريا من زوايا اقتصادية واجتماعية ومؤسسية متعددة. وكانت مؤسسة الشرق الأوسط قد نظمت في السابق فعاليات ودراسات تتناول إعادة إعمار سوريا ومرحلة ما بعد الصراع، من بينها ندوة دولية خُصصت لهذا الملف، بمشاركة أكاديميين وخبراء وصناع قرار.
وتُعرّف مؤسسة الشرق الأوسط نفسها بأنها مؤسسة تأسست في أنقرة عام 2015، وتركز أنشطتها على القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط، إلى جانب دعم الدراسات والأنشطة البحثية المرتبطة بالمنطقة.
ويُعد ملف إعادة بناء القطاعات المالية والطاقة والاتصالات وتحسين البيئة الاستثمارية من أبرز المحاور المطروحة في النقاشات المتعلقة بمستقبل الاقتصاد السوري، بالنظر إلى ارتباط التعافي طويل الأجل بقدرة المؤسسات الاقتصادية على استعادة وظائفها، وإطلاق النشاط الإنتاجي، وجذب رؤوس الأموال، وتوفير فرص العمل.
العلاقات التركية السورية عقب سقوط النظام
وفي تطور تاريخي، أُعلن يوم الأحد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 عن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، بعد دخول الفصائل السورية المسلحة إلى العاصمة دمشق. وفرّ الأسد إلى موسكو، منهياً بذلك حكماً دام 24 عاماً، امتداداً لسيطرة عائلته على السلطة منذ عام 1970.
وجاء هذا التحول بعد نحو 14 عاماً من اندلاع الثورة السورية، حيث صعّدت الفصائل المسلحة عملياتها العسكرية منذ أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2024، انطلاقاً من ريف حلب الغربي وصولاً إلى دمشق، لتنتهي بذلك 61 عاماً من حكم حزب البعث وحقبة الأسد في سوريا.
بدورها، أعلنت تركيا دعمها للإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وأعادت فتح سفارتها في دمشق بعد نحو 12 عاماً من الإغلاق. وجاء ذلك بعد زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركي، إبراهيم كالن، للعاصمة السورية، في خطوة عكست تأييد أنقرة للتحولات السياسية في البلاد.
وفي أول زيارة لمسؤول أجنبي بعد سقوط النظام، وصل وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إلى دمشق يوم 22 ديسمبر/كانون الأول 2024، حيث أجرى مباحثات مع الرئيس الشرع ومسؤولين آخرين. واستمر تبادل الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين، حيث زار وزير خارجية سوريا الجديد، أسعد الشيباني، أنقرة في 14 يناير/كانون الثاني 2025، بينما شهدت العاصمة التركية يوم 4 فبراير/شباط 2025 زيارة تاريخية لرئيس سوري، هي الأولى منذ 15 عاماً.
من جانبه، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مراراً التزام بلاده بدعم سوريا في مرحلة ما بعد سقوط النظام، سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً وعسكرياً. كما شدد على رفض تركيا القاطع لـ"الأطماع الانفصالية" في سوريا، إلى جانب إدانته للهجمات الإسرائيلية التي تصاعدت عقب انهيار نظام الأسد.
ويتواصل التعاون التركي السوري حاليا في شتى المجالات وعلى رأسها الاقتصاد والتجارة والنقل، حيث رفعت تركيا قيودا تجارية كانت مفروضة زمن النظام المخلوع، فيما تقدم مؤسسات القطاع العام والخاص التركية مساعدات مختلفة لسوريا سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










