مرسل غون دوغدو - خبر7 - ترجمة و تحرير ترك برس

أيًّا كان من يفعل ذلك، لكان قد زارها فورًا ما إن تهدأ الأجواء. ولكان خاطب الملايين وسط استعراض ضخم للقوة، وأظهر أمام أنظار العالم أجمع دعمه المتواصل للثورة الشعبية.

لكنه لم يفعل ذلك.

لقد تصرّف بحكمة، وأراد للأمور أن تسير في مجراها الطبيعي. أما الزيارة، فقد انتظرها بصبر استثنائي.

أتحدث عن زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى سوريا. في الأيام الأولى للثورة الشعبية، عندما رأيت رئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن في سيارة قائد الثورة أحمد الشرع، كان أول ما خطر ببالي هو زيارة أردوغان لدمشق. كان ينبغي للرئيس أن يزورها في أقرب وقت ممكن. فكرت أن مثل هذه الزيارة ستزلزل المكان من أساسه. فقد كان هو الذي احتضن الشعب السوري لسنوات طويلة وبذل أكبر جهد من أجله. وكان هو أيضًا من تحمل الانتقادات، وظل في حالة تأهب دائم تجاه الاستفزازات، وربما كان هو الذي سيدفع الثمن السياسي الأكبر.

رغم الاختناق الاقتصادي في البلاد، تحمل أردوغان كل الصعوبات المتعلقة بالسوريين، وصمد أمام كل اعتراض.

أجاب بحكمة من وصفوا السوريين بقولهم: «ما الذي يفعله السوريون في بلادنا؟» من خلال توصيف المهاجرين والأنصار. وقدم أمثلة مؤثرة على رابطة الأخوة المتجذرة في وجدان الشعب التركي، وعلى كرامة الإنسان وقيم الضيافة، ومنع مجتمعنا من الوقوع في مزيد من التآكل الثقافي. ولم يلتفت إطلاقًا إلى من كانوا يقولون: «ستصبح تركيا سورية»، بل اكتفى بالابتسام وتجاوز الأمر. وحتى لو خسر خلال هذه المرحلة دعم بعض الناخبين الشباب، فإنه لم يُبدِ أي تردد قط ولم يتراجع عن طريقه.

وفي نهاية المطاف، كان الفائز هو الرئيس أردوغان وعقل الدولة التركي.

في رأيي، كان ينبغي أن يتوج هذا الانتصار بزيارة مهيبة في ذلك اليوم. انتظرت لأشهر. وكنت أنوي الكتابة عن ذلك عدة مرات. بل إنني حلمت حتى بأن أضع عنوانًا يقول: «دمشق تنتظر الرئيس». وعندما لم يصدر أي صوت، عزوت الأمر إلى سببين. الأول هو الأمن. والثاني هو التحرك بصمت وعمق من أجل أن تحظى الثورة السورية باعتراف العالم كله، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، وأن تُرفع العقوبات المفروضة على هذا البلد، وأن تعود العلاقات إلى طبيعتها.

تركيا لم تعد تركيا القديمة، لكن عندما كنت أتصور ما حدث لرجال الدولة الذين حاولوا إزالة العقبات الكبرى التي وقفت في طريق بلادنا في تاريخنا السياسي، كان رأيي في تلك الأيام يميل أكثر إلى أن زيارة أردوغان لدمشق لن تكون آمنة بأي حال من الأحوال.

وبالطبع، فإن جمهورية تركيا قادرة على حماية جميع مسؤولي الدولة، وعلى رأسهم رئيسها، في أي مكان في العالم. لكن ما نتحدث عنه هنا هو حالات من قبيل استفزاز مفاجئ، أو تحريض مخطط له، أو محاولة خبيثة تضع تركيا أمام أمر واقع وتجرّها إلى ساحة الصراع الدائرة في المنطقة. وكان من الممكن تمامًا أن يكون هذا وضعًا يمكن لإسرائيل الصهيونية، التي تقتل الأطفال والأبرياء بيد، وتنتظر باليد الأخرى على الزناد، ذات الفم الزبداني واليد الملطخة بالدماء، أن تجده وهي تبحث عنه في السماء فتجده على الأرض.

لقد حان الآن وقت اللقاء، وبدأت دمشق تنتظر الرئيس.

لقد كشفت الثورة الشعبية في سوريا حقيقتين بكل وضوح. أولاهما حقيقة أن السوريين كانوا منذ زمن بعيد جزءًا من لحمنا ودمنا، إخوةً وأصدقاء. وقد أدركنا عن كثب خلال استضافتهم أن الشعبين وكأنهما يعرف أحدهما الآخر منذ الأزل. والثانية أنه لا يكاد يبقى في سوريا الآن أحد لا يعرف اللغة التركية. وبينما أذهلت الثورة الشعبية في سوريا معظم أطياف المعارضة، أثبتت صحة موقف الرئيس أردوغان. والآن، لو سنحت مثل هذه الفرصة لأي سياسي، لما تردد إطلاقًا في تحويلها إلى استعراض هائل للقوة في قلب دمشق.

كان أولوية تركيا ضمان وحدة الأراضي السورية واستقرار الإدارة الجديدة.

لم يسعَ الرئيس أردوغان قط إلى الاستعراض في ما يتعلق بسوريا. ولم يرفع يده عن جاره ولو للحظة. فمنذ لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي ترامب ورفع العقوبات المفروضة على بلاده، مرورًا بعملية قبول سوريا الجديدة على مستوى العالم، وصولًا إلى خطوات إعادة بناء البلاد من الصفر وتحقيق الاستقرار، كان للرئيس أردوغان دعم قوي في كل مرحلة. ومع ذلك، فإن عدم حديث أردوغان عن ذلك مطلقًا كان قد أدهش حتى الرئيس الأمريكي ترامب بشدة.

ما إن تسرب إلى الصحافة خبر أن أردوغان سيزور دمشق، حتى بدأت بواسير إسرائيل في التفاقم.

وبينما تبذل تركيا كل ما في وسعها من أجل أن تستعيد سوريا استقرارها في أقرب وقت، فإن قادة إسرائيل الصهيونية المرتكزة على الإبادة الجماعية، والتي تتغذى على عدم الاستقرار، لا يدخرون جهدًا من أجل الحيلولة دون استقرار المنطقة. وفي الواقع، قامت إسرائيل قبل أيام بقصف قاعدة أبو ظهور الجوية، التي كانت خارج الخدمة في سوريا وكان من المخطط إعادة تشغيلها، وذلك عقب زيارة وفد عسكري تركي إليها، وأرادت، بحسب ظنها، أن تبعث برسالة إلى كل من سوريا وتركيا. هذه العصابة الجبانة التي ترتعب من كل خطوة تُتخذ من أجل الاستقرار في محيطها، لا تخشى فقط من تشكل القدرة العسكرية لسوريا بدعمنا، بل تعارض أيضًا الوجود العسكري التركي في المناطق القريبة من حدودها، لتتحول بذلك إلى نوع من اللصوصية الإقليمية.

الإعلام الإسرائيلي يغلي بأخبار الصراع مع تركيا.

وقد أدانت دول المنطقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الظاهرة في المقدمة، إسرائيل بشدة بسبب انتهاكها سيادة سوريا. كما قدمت تركيا الردود اللازمة بأوضح صورة. وفي المرحلة التي وصلنا إليها، الأيدي على الزناد. فإلى أي مدى سيبقى الشعب السوري، الذي أطاح بالأسد، الذي كان أداة في أيدي الدكتاتوريين، وبظلمه، وفتح صفحة جديدة تمامًا، صامتًا إزاء هذه الانتهاكات لسيادته من جانب إسرائيل اللصة؟ وهل تقبل تركيا بذلك؟ سنعيش ونرى. ولكن ماذا عساك تفعل، وقد جاء التهديد الإسرائيلي حتى حدودنا ووقف على أعتابها.

يبدو لي أن زيارة الرئيس المرتقبة إلى دمشق ستعقد ألسنة القادة الجبناء في إسرائيل مرة أخرى، ولن تتمكن من فكها بعد ذلك…

دمتم سالمين، سيدي.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!