
ترك برس
تطرح التحولات المتسارعة في خريطة الطاقة العالمية فرصة جديدة أمام تركيا لتعزيز موقعها كممر ومركز للطاقة، في وقت تدفع فيه المخاطر الأمنية في مضيق هرمز والبحر الأحمر الدول والأسواق إلى البحث عن طرق بديلة وأكثر أمناً لنقل النفط والغاز. ويرى الكاتب التركي إردال تاناس كاراغول أن مدينة جيهان، الواقعة على ساحل البحر المتوسط جنوبي تركيا، قد تكون أحد أبرز المستفيدين من هذه التحولات، بل مرشحة للانتقال من كونها محطة ضخمة لعبور الطاقة إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة.
وفي مقال بصحيفة «يني شفق»، يلفت كاراغول إلى أن السؤال لم يعد فقط حول قدرة جيهان على استقبال النفط وتصديره، وإنما حول إمكانية تحولها إلى مركز شبيه بمدينة روتردام الهولندية، حيث لا تقتصر الوظيفة على نقل الطاقة، بل تشمل التخزين والتكرير والتجارة وتحديد الأسعار وتقديم الخدمات المالية المرتبطة بأسواق الطاقة.
جيهان في قلب خريطة الطاقة التركية
تستند أهمية جيهان، وفق الكاتب، إلى موقعها باعتبارها نقطة النهاية المتوسطية لخط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان، الذي ينقل النفط الأذربيجاني إلى الأسواق العالمية، وخط أنابيب العراق-تركيا، المعروف أيضاً بخط كركوك-جيهان.
وتمنح هذه البنية التحتية المدينة موقعاً متقدماً على خريطة تدفقات النفط القادمة من منطقة بحر قزوين والشرق الأوسط باتجاه البحر المتوسط والأسواق الأوروبية.
ويشير كاراغول إلى امتلاك ميناء جيهان منشآت كبيرة للتحميل والتخزين، بما يسمح له بالتعامل مع كميات ضخمة من النفط وتصديرها بواسطة الناقلات، الأمر الذي يجعل المدينة بالفعل بوابة مهمة للطاقة القادمة من مناطق منتجة رئيسية.
لكن الكاتب يرى أن هذه الإمكانات لا ينبغي أن تتوقف عند حدود «العبور». فالموقع الجغرافي والبنية التحتية الموجودة يوفران، في رأيه، قاعدة يمكن البناء عليها لإنشاء منظومة أوسع لتجارة الطاقة.
المخاطر الجيوسياسية تعيد رسم طرق الطاقة
وتأتي أهمية هذا الطرح في وقت تواجه فيه حركة الطاقة العالمية مخاطر متزايدة على بعض طرقها التقليدية.
فمضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط والغاز في العالم، بينما أصبح البحر الأحمر وخليج عدن عرضة لمخاطر أمنية متكررة، ما دفع شركات الشحن والطاقة إلى إعادة تقييم طرق النقل والتكاليف والتأمين.
ومن شأن استمرار هذه المخاطر، بحسب قراءة كاراغول، أن يزيد قيمة الممرات البرية وخطوط الأنابيب والموانئ القادرة على توفير طرق بديلة للأسواق.
وهنا تبرز تركيا بحكم موقعها بين مناطق الإنتاج في الشرق والطلب المرتفع في أوروبا. وإذا نجحت أنقرة في تعزيز تدفقات الطاقة من العراق والقوقاز وشرق المتوسط عبر أراضيها وموانئها، فإن جيهان قد تتحول من مجرد نهاية لخطوط أنابيب قائمة إلى عقدة استراتيجية في شبكة أوسع.
شرق المتوسط.. فرصة إضافية لجيهان
ويربط كاراغول مستقبل جيهان أيضاً باحتمال زيادة دور موارد شرق المتوسط من الغاز والطاقة في الأسواق الدولية.
فالمنطقة شهدت خلال السنوات الماضية اكتشافات مهمة للغاز، إلا أن نقل هذه الموارد إلى الأسواق العالمية ظل مرتبطاً بعوامل سياسية وأمنية واقتصادية، من بينها تكلفة مشاريع البنية التحتية والخلافات البحرية والخيارات المتاحة للتصدير.
وفي حال أصبحت تركيا المسار الرئيسي لنقل موارد شرق المتوسط إلى الأسواق الأوروبية، فإن جيهان، وفق الكاتب، ستكون في موقع يسمح لها بالاستفادة من تدفقات إضافية، خصوصاً إذا ارتبطت هذه الموارد بمنشآت التخزين والتكرير والنقل القائمة.
وهذا من شأنه أن يرفع قيمة المدينة في حسابات أمن الطاقة الأوروبي، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى تنويع مصادر الإمدادات وتقليل مخاطر الاعتماد المفرط على مسارات أو موردين محددين.
من ميناء للنفط إلى «مركز طاقة»
لكن كاراغول يشدد على أن تحول جيهان إلى مركز عالمي للطاقة لن يتحقق بمجرد زيادة كميات النفط التي تمر عبر الميناء.
فالمركز الحقيقي للطاقة، وفق تصوره، يجب أن يكون مكاناً تتجمع فيه الطاقة وتُخزن وتُعالج وتُتداول وتُسعّر، وليس مجرد نقطة عبور بين المنتج والمستهلك.
ومن هنا، يرى أن تركيا بحاجة إلى استثمار المزايا القائمة في جيهان وتطوير منظومة متكاملة تشمل التخزين والتكرير وإنتاج المنتجات ذات القيمة المضافة، إلى جانب تطوير أسواق مالية قادرة على التعامل مع تجارة الطاقة.
ويعني ذلك الانتقال من نموذج «الممر» إلى نموذج «السوق».
بورصة متكاملة للطاقة
ويرى الكاتب أن الخطوة الأكثر أهمية لتحقيق هذا التحول تتمثل في إنشاء بيئة مالية وتجارية متكاملة تسمح بالتداول ليس فقط في النفط الخام، وإنما في أنواع متعددة من الطاقة.
ويشمل ذلك، بحسب رؤيته، الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال والمنتجات المكررة والكهرباء، إلى جانب المنتجات والمشتقات المالية المرتبطة بأسواق الطاقة.
فكلما اتسعت أدوات التداول وزادت القدرة على التخزين والمعالجة وإعادة التصدير، ارتفعت إمكانية تحول جيهان إلى مركز يتم فيه تحديد الأسعار وإدارة المخاطر وإبرام العقود، بدلاً من اقتصار دوره على استقبال شحنات الطاقة وإرسالها إلى الخارج.
وهذا تحديداً هو الفارق بين مدينة تمتلك ميناءً نفطياً كبيراً ومدينة تتحول إلى مركز عالمي لتجارة الطاقة.
العراق والخليج يعززان موقع جيهان
ويشير كاراغول إلى أن العلاقات مع العراق ستكون عاملاً مهماً في هذا المسار، خصوصاً في ظل سعي تركيا إلى تعزيز التعاون في مجال النفط وتطوير مسارات تصدير أكثر استقراراً.
كما يمكن لتوجه دول خليجية أخرى نحو استخدام البنية التحتية التركية أن يرفع أهمية جيهان، خصوصاً إذا أصبحت المدينة جزءاً من شبكة متعددة المصادر والمسارات تربط منتجي الطاقة في الخليج والعراق والقوقاز بالأسواق المتوسطية والأوروبية.
وبذلك، يمكن أن تتحول جيهان إلى نقطة التقاء بين عدة أحواض للطاقة، بدلاً من اعتمادها على مصدر واحد أو خط أنابيب واحد.
تركيا أمام فرصة تتجاوز «دولة العبور»
ويضع الكاتب هذه الرؤية ضمن هدف تركي أوسع يتمثل في الاستفادة من الموقع الجغرافي للبلاد ليس فقط لتكون دولة عبور، وإنما لتصبح طرفاً فاعلاً في تجارة الطاقة العالمية.
فوجود خطوط الأنابيب والموانئ والمنشآت التخزينية يمثل أساساً مهماً، لكنه لا يكفي وحده لبناء مركز عالمي. ويتطلب الأمر، وفق كاراغول، استكمال البنية التحتية، وتطوير أسواق الطاقة، وزيادة قدرات التخزين والتكرير، وجذب الاستثمارات، وبناء آليات مالية وتجارية قادرة على التعامل مع الأسواق الدولية.
وتملك تركيا بالفعل خبرة متنامية في إدارة أسواق الطاقة، فيما تمثل إسطنبول مركزاً مالياً وتجارياً يمكن أن يتكامل مع جيهان في حال تطوير نموذج يربط البنية المادية للطاقة في الجنوب بالأسواق والخدمات المالية في إسطنبول.
هل تصبح جيهان «روتردام المتوسط»؟
السؤال الذي يطرحه كاراغول في نهاية المطاف هو ما إذا كان بإمكان جيهان أن تسلك المسار الذي جعل روتردام أحد أكبر مراكز تجارة الطاقة في أوروبا.
والكاتب لا يقدم التحول باعتباره نتيجة تلقائية للموقع الجغرافي، وإنما فرصة تتطلب قرارات استثمارية وتنظيمية واستراتيجية.
فجيهان تمتلك بالفعل موقعاً وبنية تحتية وتدفقات نفطية قائمة، لكن تحويل هذه المقومات إلى مركز عالمي يتطلب إضافة حلقات جديدة إلى سلسلة القيمة: التخزين، والتكرير، والتجارة، والتسعير، والخدمات المالية، وتعدد أنواع الطاقة.
وبحسب كاراغول، فإن نجاح تركيا في تنفيذ هذه الخطوات سيغير طبيعة دورها في سوق الطاقة؛ فبدلاً من أن تكون مجرد جسر يصل المنتجين بالمستهلكين، يمكن أن تصبح طرفاً مؤثراً في تحديد مسارات الطاقة وأسعارها وتدفقاتها.
وفي ظل إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية بفعل التوترات الجيوسياسية ومخاطر الممرات البحرية، يرى الكاتب أن جيهان تمتلك فرصة نادرة للتحول إلى أحد أهم مراكز الطاقة في شرق المتوسط، وهو تحول من شأنه، إذا تحقق، أن يفتح أمام تركيا مرحلة جديدة في سوق الطاقة العالمية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











