
ترك برس
يرى الكاتب والخبير التركي حسن حسين أوز أن الأزمة الاقتصادية التي تعصف بألمانيا لا يمكن تفسيرها فقط بالمنافسة الصينية أو التحولات التي يشهدها قطاع السيارات، معتبرًا أن جذور الأزمة ترتبط بصورة أعمق بالسياسات الصناعية والطاقة التي اتبعتها برلين خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها فقدان إمدادات الغاز الروسي الرخيص والمستقر بعد توقف منظومة "نورد ستريم".
ويقول أوز، في مقال نشرته صحيفة "ستار" التركية، إن ألمانيا تحاول مواجهة أزمتها الاقتصادية عبر زيادة الإنفاق العسكري، في وقت تتراجع فيه القدرة الإنتاجية للمصانع وتتعرض النفقات الاجتماعية للخفض. ويشير بسخرية إلى أن برلين تراهن على طلبيات السلاح لتعويض جزء من التراجع الاقتصادي، بينما يواجه العمال ضغوطًا تتعلق بالأجور وساعات العمل.
تراجع الصناعة الألمانية
ويشير الكاتب إلى أن قطاع السيارات، الذي يمثل أحد أعمدة الصناعة الألمانية، يواجه ضغوطًا متزايدة. ويتحدث عن احتمال إلغاء نحو 50 ألف وظيفة إضافية في مصانع "فولكسفاغن"، إلى جانب تهديدات بنقل جزء من إنتاج "مرسيدس" إلى أوروبا الشرقية.
ويرى أن إغلاق بعض المنشآت الصناعية يكشف عن تحول أوسع في الاقتصاد الألماني، مستشهدًا بمدينة أوسنابروك، حيث يتراجع إنتاج السيارات في أحد المصانع في وقت يجري فيه توجيه المنشأة نحو إنتاج مرتبط بالدفاع الجوي الإسرائيلي.
وبحسب أوز، فإن هذه التحولات تعكس مفارقة صارخة: أبواب المصانع تضيق أمام العامل الألماني، بينما تفتح خطوط إنتاج جديدة أمام الصناعات العسكرية.
الصين ليست التفسير الوحيد
ويقر الكاتب بأن صعود صناعة السيارات الصينية وضع الشركات الألمانية أمام منافسة صعبة، لكنه يرفض اختزال الأزمة الصناعية الألمانية في العامل الصيني وحده.
ويقول إن التركيز على الصين وحدها يحجب، في رأيه، ما حدث في بحر البلطيق، في إشارة إلى أنابيب "نورد ستريم"، التي يعتبرها بمثابة أحد الشرايين الأساسية للصناعة الألمانية.
ويشرح أوز أن قوة الصناعة الألمانية لم تكن قائمة على الهندسة والتكنولوجيا وحدهما، بل استفادت لعقود من الغاز الروسي الرخيص والمستقر الذي كان يغذي قطاعات واسعة، من الصناعات الكيميائية والصلب إلى الآلات والسيارات.
وكان النموذج يقوم، وفق الكاتب، على تحويل الغاز إلى إنتاج، والإنتاج إلى صادرات، والصادرات إلى رفاه اقتصادي. لكنه يرى أن هذا النظام تفكك، لتحل محله منظومة طاقة أكثر تكلفة وتقلبًا وأكثر عرضة للأزمات في طرق النقل البحرية.
"حرية" الطاقة باتت أكثر تكلفة
وينتقد الكاتب السياسة الألمانية التي اعتبرت الحصول على الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب نوعًا من التبعية، بينما اتجهت إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال من الخارج عبر السفن باعتباره خيارًا أكثر استقلالًا.
ويعلق أوز بسخرية على هذا التحول، قائلًا إن "فاتورة الحرية" جاءت مرتفعة، في إشارة إلى ارتفاع تكاليف الطاقة التي باتت تضغط على الصناعة الألمانية.
ويرى أن أي توتر في مضيق هرمز يمكن أن ينعكس على المصانع الألمانية من خلال ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال وصعوبة ملء مخزونات الطاقة، فيما قد يؤدي شتاء بارد إلى اضطراب خطط الإنتاج.
ويخلص إلى أن سياسة الطاقة في دولة صناعية مثل ألمانيا باتت، وفق توصيفه، أقرب إلى انتظار الظروف المناخية المناسبة، بعدما أصبحت استمرارية الإنتاج مرتبطة بدرجة أكبر بتقلبات أسواق الطاقة العالمية.
انتقال الصناعة وصعود اليمين
ويعتبر أوز أن ألمانيا خسرت جزءًا من أسواقها في الصين، ومصدرًا مهمًا للطاقة في روسيا، كما فقدت، بحسب رأيه، هامشًا من قدرتها على التحرك المستقل في ظل الهيمنة الأمريكية على القرار الأوروبي.
وفي الوقت نفسه، تنتقل أجزاء من الإنتاج الألماني إلى دول مثل التشيك وسلوفاكيا وبولندا، الأمر الذي يراه الكاتب مؤشرًا على أن رأس المال الألماني لا يزال أوروبيًا، لكن الصناعة نفسها تصبح تدريجيًا أقل ألمانية.
ويربط أوز بين هذا التحول الاقتصادي والتطورات السياسية الداخلية، معتبرًا أن إغلاق المصانع لا يعني فقط فقدان العمال لوظائفهم وأجورهم، بل يؤدي أيضًا إلى تراجع إيرادات الدولة وإضعاف شعور الطبقة الوسطى بالأمان، وهو ما ينعكس في النهاية على المشهد السياسي.
ومن هذا المنطلق، يرى أن صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) يجب أن يُقرأ أيضًا في ضوء التراجع الصناعي وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الثقة بالأحزاب التقليدية.
استدعاء التاريخ الألماني
ويستحضر الكاتب تجربة جمهورية فايمار، مشيرًا إلى أن صعود أدولف هتلر لم يكن نتيجة خطبه السياسية وحدها، بل استفاد من البطالة والانهيار الصناعي وسياسات التقشف وفقدان أحزاب الوسط لثقة الناخبين بعد أزمة عام 1929.
ويؤكد أوز أن ألمانيا الحالية ليست ألمانيا فايمار، وأن مساواة حزب "البديل من أجل ألمانيا" بالحزب النازي ليست تحليلًا دقيقًا، لكنه يرى في الوقت نفسه أن بعض آليات صعود الغضب السياسي تبدو متشابهة: ضعف الصناعة، ارتفاع تكاليف الحياة، تقارب أحزاب الوسط في مواقفها، وتحول الغضب الشعبي نحو القوى الموجودة خارج المنظومة السياسية التقليدية.
ويرى أن النخب المحافظة في عام 1933 اعتقدت أنها قادرة على احتواء هتلر بعد إدخاله إلى الحكومة، بينما تعتقد النخب الحالية أنها تستطيع السيطرة على "البديل من أجل ألمانيا" عبر إبقائه خارج الحكومة.
ويختصر الكاتب هذه المفارقة بالقول إن الفرق بين التجربتين هو أن أحد الطرفين فتح الباب، بينما يعمل الطرف الآخر على إبقائه مغلقًا، من دون معالجة الضغوط المتراكمة خلفه.
"نورد ستريم" وشريان الصناعة الألمانية
ويعود أوز إلى قضية الطاقة ليؤكد أن "نورد ستريم" لم يكن مجرد خط أنابيب، بل كان، في تصوره، أحد الشرايين الحيوية للصناعة الألمانية.
ويقدم صورة رمزية للوضع الحالي، قائلًا إن الأنابيب ترقد في قاع بحر البلطيق، بينما ترتفع فوق ألمانيا مداخن مصانع توقفت عن العمل، معتبرًا أن المشهد تغير، لكن "العمى السياسي" الذي قد يقود ألمانيا إلى أزمة عميقة يذكره بالماضي.
وفي ختام مقاله، يطرح الكاتب قراءة شديدة الانتقاد للسياسة الألمانية تجاه الولايات المتحدة والحرب في أوكرانيا وإسرائيل. ويرى أن ألمانيا، بعد أن اصطفّت خلف الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، تدفع ثمن هذه السياسة على المستويين الاقتصادي والصناعي، مضيفًا أن برلين تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع ما يصفه بإهانات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتبارها جزءًا من تحالفها مع واشنطن، كما تنظر إلى طلبات منظومات الدفاع الجوي لإسرائيل باعتبارها فرصة لدفع الصناعة الألمانية.
ويخلص أوز إلى أن الأزمة الألمانية، من وجهة نظره، ليست أزمة قطاع صناعي منفرد ولا نتيجة للمنافسة الصينية وحدها، بل نتاج تراكمات تشمل فقدان مصادر الطاقة الرخيصة، وتراجع الإنتاج، وارتفاع تكاليف الطاقة، وزيادة الإنفاق العسكري، وتآكل ثقة المجتمع بالأحزاب التقليدية، وهي عوامل يرى أنها تغذي بدورها التحولات السياسية وصعود القوى اليمينية في البلاد.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











