ترك برس

يرى الكاتب التركي تونجا بينغين أن عجز الأمم المتحدة عن اتخاذ إجراءات فعالة تجاه الانتهاكات الإسرائيلية في سوريا وفلسطين ولبنان، رغم الانتقادات الصادرة عن مجلس الأمن، يعكس أزمة عميقة في أداء المنظمة الدولية، ويثير تساؤلات حول جدوى القرارات والتصريحات التي لا تقترن بإجراءات ملزمة.

وفي مقال نشرته صحيفة ملييت، بعنوان «عار الأمم المتحدة تجاه إسرائيل!»، يستعرض بينغين مواقف عدد من الدول خلال جلسات مجلس الأمن بشأن الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا، معتبرًا أن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، في ظل غياب رد دولي حازم، يقوض الاستقرار الإقليمي ويكشف محدودية قدرة الأمم المتحدة على فرض قراراتها.

إدانات دولية للوجود الإسرائيلي في سوريا

يشير بينغين إلى أن الأنشطة العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا ووجودها في المناطق التي احتلتها يوصفان خلال اجتماعات مجلس الأمن بأنهما «أكبر تهديد أمني خارجي» يواجه سيادة سوريا، فضلًا عن كونهما انتهاكًا لاتفاقية فصل القوات (وقف إطلاق النار) الموقعة عام 1974.

ويلفت إلى جلسة مجلس الأمن المنعقدة يومي 17 و18 سبتمبر/أيلول، التي قال خلالها الممثل الدائم لسوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم العلبي: «دخلت إسرائيل قرانا، وهجّرت شعبنا، وقصفت منشآتنا»، محذرًا من أن إسرائيل لا تمثل تهديدًا لسوريا وحدها، بل للاستقرار في المنطقة بأكملها.

وبحسب الكاتب، كرر نائب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، خلال الجلسة نفسها، أن الوجود والأنشطة الإسرائيلية في جنوب سوريا ينتهكان سيادة البلاد ووحدة أراضيها واتفاقية فصل القوات لعام 1974، مؤكدًا ضرورة وضع حد للانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية.

مواقف أعضاء مجلس الأمن.. والنتيجة «لا شيء»

يتابع بينغين أن ثلاثًا من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، التي تتمتع بحق النقض (الفيتو)، أصدرت مواقف مماثلة، وإن اختلفت لهجاتها.

فقد أكد ممثل روسيا دعم بلاده لاستقرار سوريا ورفضها أي خطوات من شأنها المساس بسيادة البلاد ووحدة أراضيها، مطالبًا إسرائيل بالانسحاب من الأراضي السورية المحتلة ووقف انتهاكاتها للسيادة السورية.

أما بريطانيا، وفق الكاتب، فرحبت بعزم سوريا على الوفاء بالتزاماتها وإغلاق ملفها لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ودعت إسرائيل إلى وقف خطواتها التصعيدية ووضع جدول زمني واضح للانسحاب من الأراضي السورية.

كما شدد ممثل فرنسا على أن احترام سيادة سوريا ليس موضوعًا قابلًا للتفاوض، مطالبًا بوقف العمليات البرية الإسرائيلية.

وفي المقابل، يذكر بينغين أن الولايات المتحدة والصين أعربتا عن ترحيبهما بالتقدم الذي تحرزه السلطات السورية في المجالات الإنسانية والسياسية والاقتصادية، وأكدتا دعمهما لهذه الجهود.

ويطرح الكاتب تساؤلًا بشأن مآلات هذه المواقف الدولية، قبل أن يجيب بعبارة مقتضبة: «ما النتيجة؟ لا شيء».

إسرائيل تواصل التصعيد رغم الانتقادات

يعتبر بينغين أن إسرائيل تواصل، من خلال هجماتها وتصريحاتها، تقويض المسار الإيجابي في سوريا، متهمًا إياها باستخدام ذرائع يصفها بالواهية والأكاذيب لتبرير عملياتها العسكرية وتوسيع نطاق احتلالها.

ويشير إلى احتلال إسرائيل هضبة الجولان والقنيطرة، واستمرار تقدمها باتجاه درعا، فضلًا عن صعودها إلى جبل الشيخ (حرمون) خلال الأيام الماضية، حيث أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تهديدات، بحسب تعبيره.

كما ينتقد الكاتب تصريحات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي زامير، والصور التي ينشرها من المناطق المحتلة، معتبرًا أنها تسهم في تصعيد التوتر، وتظهر أن إسرائيل تمضي في احتلالها «أمام أنظار العالم».

ويربط بينغين هذه الممارسات بما تقوم به إسرائيل في فلسطين ولبنان، مشيرًا إلى استمرار العمليات العسكرية في تلك المناطق.

«المنطقة العازلة».. ذريعة لتبرير الاحتلال

ينتقد الكاتب التبرير الإسرائيلي القائل إن البلاد تواجه تهديدات أمنية، وإن إنشاء مناطق عازلة يأتي بهدف التصدي لها.

ويقول إن الحكومة السورية لا تسعى، وفق رؤيته، إلا إلى تحقيق الاستقرار في البلاد، مضيفًا أن إسرائيل تستخدم شعار «نحن نتخذ إجراءات احترازية» لتبرير الهجمات ومحاولة إضفاء الشرعية على الاحتلال أمام المجتمع الدولي.

ويعتبر بينغين أن هذا النهج ليس جديدًا، بل يمثل، بحسب رأيه، وضعًا مستمرًا منذ تأسيس إسرائيل، مشيرًا إلى أن إسرائيل شنت هجمات في مناطق مختلفة باستخدام ذرائع وصفها بالعبثية، وأن توسع أراضيها على مر السنين يمثل، في نظره، دليلًا على ذلك.

اتهامات متبادلة و«إسقاط نفسي»

ينتقل الكاتب إلى انتقاد الخطاب الإسرائيلي الذي يتهم أطرافًا أخرى بممارسات مماثلة، مستشهدًا بما وصفه بأنه تصريحات استفزازية تزعم أن المناطق التي تسيطر عليها تركيا في سوريا تفوق تلك التي تسيطر عليها إسرائيل.

ويصف بينغين هذا النهج بأنه نوع من «الإسقاط» في علم النفس، موضحًا أن المقصود به إسناد الأفعال أو الصفات الخاصة بالفرد إلى الآخرين.

ويذهب إلى أن استمرار هذا السلوك، وفق التفسير الذي يقدمه، قد يؤدي إلى اضطراب شديد في إدراك الواقع، ويورد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحلفاءه الصهاينة مثالًا على ما يصفه بهذه الحالة.

ويستخدم الكاتب لغة حادة في وصف الحكومة الإسرائيلية وسياساتها، كما يوجه اتهامات إلى نتنياهو وحلفائه بارتكاب جرائم إبادة جماعية، وهي اتهامات ينبغي فهمها في سياق موقف الكاتب وانتقاداته السياسية.

دعوة الأمم المتحدة إلى تجاوز الإدانات

يختتم بينغين مقاله بانتقاد ما يعتبره ازدواجية بين استمرار الممارسات الإسرائيلية، وعجز الأمم المتحدة عن اتخاذ إجراءات تتناسب مع خطورة الانتهاكات المعلنة.

ويقول إن الأمم المتحدة تكتفي بالمطالبة بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها، متسائلًا: «إذا كنتم صادقين، فاتخذوا الإجراءات اللازمة».

ويدعو الكاتب المنظمة الدولية إلى التخلي عن التصريحات التي يصفها بالضعيفة، والانتقال إلى فرض عقوبات وإجبار إسرائيل على الانسحاب من أراضي الدول التي احتلتها.

كما يقترح، في حال عدم القدرة على اتخاذ إجراءات أخرى، إعلان إسرائيل «دولة غير مرغوب فيها»، مستندًا إلى ما يصفه بثبوت ارتكابها جرائم إبادة جماعية في تقارير الأمم المتحدة، فضلًا عن تجاهلها مئات القرارات الصادرة عن المنظمة الدولية ومجلس الأمن منذ تأسيسها.

ويشير بينغين إلى أن إسرائيل أُدرجت أصلًا على «قائمة العار» التابعة للأمم المتحدة بسبب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، داعيًا المنظمة إلى تجاوز ما يصفه بـ«عار عدم القدرة على فرض إرادتها» على إسرائيل، وإظهار أن وجودها الدولي يمكن أن يكون ملموسًا وفاعلًا.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!