ترك برس

في تحليل نشره موقع «إندبندنت تركية»، يتناول الكاتب التركي غوكتوغ تشاليشكان المفارقة التي تحكم نقاش إصلاح مجلس الأمن الدولي منذ نحو ثلاثة عقود: الجميع يتحدث عن الإصلاح، لكن كلمة «الإصلاح» ذاتها تحمل معاني متباينة في أنقرة وموسكو ونيودلهي وأديس أبابا. ويبدأ الكاتب من خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام الجمعية العامة في 22 أيلول/سبتمبر، حيث أكد أن نظاماً تجعل فيه إرادة أكثر من 190 دولة مرهونة بقرار خمس دول لا يمكن أن يكون عادلاً أو موثوقاً، مطالباً بإصلاح المجلس وإلغاء حق النقض (الفيتو). ويقابل ذلك، في اليوم نفسه، رد الكرملين الذي أعلن دعمه لتوسيع العضوية الدائمة مع الإصرار على الإبقاء على مؤسسة العضوية الدائمة وحق الفيتو دون مساس.

يرى تشاليشكان أن هذين الموقفين يلخصان سبب الجمود الطويل. فالإجماع قائم على ضرورة تغيير مجلس الأمن، لكن الأسئلة الصعبة تبدأ بعد ذلك: كم دولة ستجلس إلى الطاولة؟ من سيصبح عضواً دائماً؟ هل يُمنح الفيتو للأعضاء الجدد؟ من سيمثل أفريقيا؟ وهل ستحصل ألمانيا واليابان والهند والبرازيل على مقاعدها؟ وهل توسيع العضوية الدائمة يجعل النظام أكثر عدلاً أم ينشر امتيازات عام 1945 على عدد أكبر من الدول؟ والأهم: كيف يمكن لإصلاح يقلص قوة الدول الخمس أن يمر بموافقة الدول الخمس نفسها؟

ويوضح الكاتب بنية المجلس الحالية: 193 عضواً في الأمم المتحدة، بينما يضم مجلس الأمن 15 دولة فقط، خمس منها دائمة تتمتع بحق الفيتو (الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا)، وعشر دول منتخبة لسنتين. ويحتاج القرار إلى تسعة أصوات إيجابية على الأقل، لكن صوت دولة دائمة واحدة بالرفض يكفي لإفشاله. ويستذكر أن المنظمة تأسست عام 1945 بعضوية 51 دولة، في عالم لم تكن فيه معظم المستعمرات الأفريقية والآسيوية دولاً مستقلة، وكانت ألمانيا واليابان مهزومتين، والهند أقل وزناً، والصين أضعف اقتصادياً، وأوروبا أثقل حضوراً. تغير العالم، بينما بقيت توزيعات القوة في المجلس شبه ثابتة.

وينتقل تشاليشكان إلى مجموعة «جي 4» (البرازيل وألمانيا والهند واليابان) التي تطالب بتوسيع فئتي العضوية الدائمة والمنتخبة لتعكس الواقع الجيوسياسي الراهن، مع تعزيز تمثيل أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية. لكن السؤال الإقليمي يفرض نفسه فوراً: إذا مُنحت هذه الدول مقاعد دائمة، فماذا عن جيرانها؟ باكستان ترفض عضوية الهند الدائمة، وإيطاليا تعارض ألمانيا، والأرجنتين والمكسيك تتحفظان على البرازيل، وكوريا الجنوبية حساسة تجاه اليابان. وهنا تدخل مجموعة «التوحد من أجل التوافق» التي تضم تركيا، وهي تعارض المقاعد الدائمة الجديدة وتقترح بدلاً منها زيادة الأعضاء المنتخبين وتمديد ولاياتهم وإتاحة إعادة انتخابهم. ويلخص الكاتب منطقها: إذا كانت امتيازات خمس دول مدى الحياة مشكلة، فهل حلها توسيع هذه الامتيازات إلى تسع أو إحدى عشرة دولة؟

أما الموقف الأفريقي فيصفه تشاليشكان بأنه من أقوى الاعتراضات. فالقارة التي تضم 54 دولة لا تملك عضواً دائماً، رغم أن كثيراً من ملفات المجلس تتعلق بها. وتطالب الاتحاد الأفريقي بمقعدين دائمين على الأقل وخمسة مقاعد منتخبة، ومع انتقادها الطويل للفيتو فإنها تطالب بمنحه للأعضاء الأفارقة الجدد طالما بقي موجوداً، خشية خلق طبقتين من العضوية الدائمة: خمس دول تملك حق الإعاقة، وأخرى تجلس دائماً دون القوة نفسها. ويشير الكاتب إلى المأزق: إلغاء الفيتو يصطدم بمقاومة القوى الكبرى، والإبقاء عليه يكرس الجمود، ومنحه للجدد يزيد عدد أصحاب الفيتو، وحجبه عنهم يخلق تمييزاً داخل الفئة الدائمة.

ويقارن تشاليشكان بين مواقف موسكو وبكين وأنقرة. فروسيا تقبل التوسيع بشرط الحفاظ على الوضع الخاص للأعضاء الحاليين. والصين تدعم زيادة تمثيل الدول النامية وأفريقيا، لكنها ترى الفيتو عنصراً أساسياً في هيكل التأسيس وآلية تدفع القوى الكبرى إلى التوافق وتكبح القرارات العسكرية المتسرعة. أما تركيا فتعترض على الامتياز الدائم للخمس، وقد رفعت مطلب إلغاء الفيتو صراحة، وهي داخل مجموعة «التوحد من أجل التوافق» لا تبحث عن مقعد دائم لنفسها بل عن هيكل أكثر شمولاً يعتمد الانتخاب والتجديد. ويؤكد الكاتب أن الخطوط لا تنقسم ببساطة إلى غرب وشرق أو شمال وجنوب، بل ترسمها قوة كل دولة اليوم ومنافسوها الإقليميون ومخاوفها من فقدان صلاحيات مستقبلية.

ويلفت تشاليشكان إلى العقبة القانونية الحاسمة: تعديل ميثاق الأمم المتحدة (المادة 108) يتطلب موافقة ثلثي الجمعية العامة، ثم تصديق ثلثي الدول الأعضاء وفق إجراءاتها الدستورية، على أن يكون من بينها الأعضاء الدائمون الخمسة جميعاً. أي أن مفتاح تقليص امتيازات الخمس يبقى في يد الخمس أنفسهم. ويستذكر أن المجلس توسع مرة واحدة عام 1965 من 11 إلى 15 عضواً بزيادة المنتخبين، دون المساس بالدائمين أو الفيتو. أما اليوم فالنقاش يمس تقاسم القوة العالمية مباشرة، مما يفسر حدة الخلافات الإقليمية حول من يحصل على المقاعد الأفريقية أو غيرها، وهل تُمنح للدول أم عبر آلية دورية للاتحاد الأفريقي.

ويختتم الكاتب بطرح سؤال نادراً ما يُناقش: هل مجلس أكبر يعمل أفضل؟ التمثيل الأوسع قد يعزز الشرعية، لكن التوصل إلى توافق بين 25 أو 26 دولة أصعب مما هو بين 15، في وقت يعجز فيه المجلس أصلاً عن الحسم في أزمات كأوكرانيا وغزة. ويرى تشاليشكان أن ما حدث في نيويورك في 22 أيلول/سبتمبر يتجاوز خلافات دبلوماسية عابرة: الدول تتفق على أن منظمة 1945 لم تعد تعكس العالم، لكنها تختلف جذرياً حول شكل منظمة 2026. فالسؤال لم يعد تقنياً عن عدد المقاعد، بل عن من يُعد قوة عالمية، ومن يملك حق تمثيل منطقته، وهل الفيتو امتياز أم آلية أمنية، وهل يمكن جعل تقاسم القوة أكثر ديمقراطية دون فقدان القدرة على اتخاذ القرار. وإلى أن تُجاب هذه الأسئلة، ستستمر دعوات الإصلاح، وسيظل كل طرف يرسم مبنى مختلفاً للأمم المتحدة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!