
ترك برس
في مقال تحليلي نشره موقع Independent Türkçe، يستعرض الدكتور عثمان غازي كاندمير، المحلل الاستراتيجي التركي، التناقض الظاهر في صورة الصين المعاصرة، حيث تبدو في آن واحد قوة تكنولوجية وصناعية تتحدى الولايات المتحدة على الساحة العالمية، ودولة تواجه تباطؤاً اقتصادياً وأزمة عقارية ومشكلات ديموغرافية وتذمراً اجتماعياً. ويطرح الكاتب السؤال الجوهري: كيف يمكن لهذين الوجهين أن ينتميا إلى البلد نفسه؟ ويستند في إجابته إلى مقابلة أجراها الصحفي إيفان أوسنوس ضمن بودكاست «بيجينغ بريف» الصادر عن مركز جون إل. ثورنتون للصين، معتبراً أن فهم الوضع الصيني يتطلب دراسة التوتر القائم بين هذين المظهرين بدلاً من اختيار أحدهما. ويرى كاندمير أن السؤال الأساسي يتمثل في مدى قدرة الصين على مواصلة تقدمها التكنولوجي مع الحفاظ على مساحة المبادرة الفردية التي تغذي هذا التقدم.
يشير الكاتب إلى أن أوسنوس، في كتابه «عصر الطموح» الصادر عام 2014، تناول التحول في المجتمع الصيني من خلال التوتر بين الطموح الفردي والسلطة السياسية. ويوضح أن التحول الاقتصادي عزز رغبة الأفراد في تشكيل حياتهم بأنفسهم؛ إذ سعى رجال الأعمال إلى توسيع شركاتهم، والشباب إلى اتخاذ خياراتهم الخاصة، والفنانون إلى إيجاد مكان لهم في الحياة الاجتماعية. لكن هذا الديناميكية اصطدمت بسلطة الحزب الشيوعي الصيني، حيث استند التفاهم الضمني إلى منح مجال حركة معين في النشاط الاقتصادي والحياة الخاصة مقابل عدم تحدي السلطة السياسية مباشرة. ويضيف كاندمير أنه في عهد شي جين بينغ ضاقت هذه المساحة؛ فقد تحولت إجراءات مكافحة الفساد تدريجياً إلى آلية أوسع للرقابة السياسية، ولم تقتصر تدخلات الدولة على عالم الأعمال، بل امتدت إلى قضايا الزواج والإنجاب والتفضيلات الشخصية، وربطتها بتوقعات الإدارة السياسية. ويرى أن النمو الاقتصادي لا يزال ركيزة أساسية في الشرعية الاجتماعية للنظام، غير أن الناس يرغبون إلى جانب زيادة الرفاه في امتلاك كلمة في القرارات الأساسية لحياتهم، وأن التوتر بين ارتفاع الدخل والحرية الفردية سيؤثر على مستقبل الصين السياسي والاجتماعي.
وينتقل الكاتب إلى تجربة شنغهاي خلال سياسة «صفر إصابات» في جائحة كوفيد-19، معتبراً إياها مثالاً كاشفاً لحدود العلاقة بين الدولة والفرد. فقد أُجبر ملايين السكان على البقاء في منازلهم لفترات طويلة، وضيّق التحكم الإداري على الحياة اليومية قدرتهم على اتخاذ قرارات بشأن حياتهم. ويشير أوسنوس، بحسب كاندمير، إلى أن هذه التجربة أحدثت شرخاً خاصة لدى الفئات التي كانت تعتقد أنها بنت نجاحها بجهدها الشخصي؛ إذ أدرك هؤلاء الذين التزموا بالقواعد لتعزيز مكانتهم الاقتصادية والاجتماعية أن أسرهم أو أطفالهم قد يُفصلون عنهم دون قدرة على التدخل، مما دفعهم إلى إعادة التفكير في حدود علاقتهم بالدولة. ويؤكد الكاتب أن عودة الحياة إلى طبيعتها بعد الجائحة لا تعني محو هذه التجربة من الذاكرة الاجتماعية، بل تركت أثراً دائماً. وفي ظل تباطؤ النمو الاقتصادي وضعف توقعات الشباب للمستقبل، يكتسب الثقة الاجتماعية أهمية أكبر، فيما يمثل تراجع معدلات الخصوبة أحد التحديات التي تواجه الصين، حيث تتشكل علاقة الإدارة بالمجتمع ليس فقط بالأداء الاقتصادي بل أيضاً بالثقة والقدرة على التنبؤ.
أما في مجال التكنولوجيا، فيرى كاندمير أن التوتر بين النموذجين الاقتصادي والسياسي يظهر بوضوح. فالصين تستثمر على نطاق واسع في الذكاء الاصطناعي والأنظمة الروبوتية، وتستخدم نحو تسعة أضعاف ما تستخدمه الولايات المتحدة من الروبوتات الصناعية، مما يعكس حجم قدرتها الإنتاجية. ومع ذلك، قد يوجد فرق بين الروايات الرسمية عن الإنجازات التكنولوجية والقدرة الفعلية على الأرض، حيث لا تؤدي العروض المبهرة دائماً إلى نتائج مماثلة في الحياة اليومية. ويحذر الكاتب من خطأين في تقييم القوة التكنولوجية الصينية: قبول الروايات الرسمية دون تمحيص قد يضخم القدرة الحقيقية، بينما التقليل من كل التقدم التكنولوجي انطلاقاً من أمثلة الدعاية يتجاهل البنية التحتية الإنتاجية وحجم الاستثمارات والتحول الصناعي. ويذكّر بأن أوسنوس يستحضر استعارة «اقتصاد قفص الطائر» من فترة الإصلاح، التي منحت حرية نسبية للنشاط الاقتصادي مع الحفاظ على حدود النظام السياسي. لكن كلما ضاقت حدود القفص، صار الحفاظ على الديناميكية الاقتصادية أكثر صعوبة. ويشير إلى القيود المفروضة على مغادرة رواد الأعمال التكنولوجيين الصين، معتبراً أن الإبقاء على الكفاءات داخل البلاد قد يحفظ القدرة الاستراتيجية على المدى القصير، غير أن تقييد حرية الحركة قد يدفعهم إلى تفضيل أماكن أخرى لتطوير أفكارهم.
وفي تقييمه للمنافسة مع الولايات المتحدة، يربط كاندمير صعود الصين بالنقاشات السياسية الأميركية، مشيراً إلى أن أوسنوس يعزو جزءاً من الإدراك الإيجابي للصين لدى بعض الأميركيين إلى مشكلات بلادهم ذاتها؛ فالاستثمارات الصينية في البنية التحتية والقدرة الصناعية تبدو جذابة لمن يشعرون بالإحباط من الجمود السياسي الأميركي. لكنه يحذر من أن الدولة التي تتخذ قرارات سريعة لا تصل بالضرورة إلى نتائج صحيحة دائماً، مستشهداً بسياسة الطفل الواحد السابقة التي أظهرت التكاليف الاجتماعية طويلة الأمد للتدخلات الحكومية. ويؤكد أن تقييم المنافسة يتطلب النظر إلى ما وراء الإنجازات التكنولوجية الراهنة، نحو كفاءة استخدام الموارد، وكيفية الاستجابة للمشكلات الاجتماعية، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. ويرى أن تقييم أوسنوس يشير إلى ضرورة مواجهة كل من البلدين مشكلاته الخاصة؛ فالديناميكية التكنولوجية الصينية لا يمكن فصلها عن مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية، كما أن تفوق الولايات المتحدة الراهن لا يمكن تقييمه دون أخذ الاستقطاب السياسي والجمود المؤسسي في الحسبان.
ويخلص كاندمير إلى أنه من الخطأ اعتبار صعود الصين نصراً محتوماً أو مشكلاتها علامة على انهيار وشيك. فالمسألة الجوهرية تكمن في أي البلدين يستطيع التكيف مع الظروف المتغيرة وتجديد نفسه بعد الأزمات. ويشدد على أن القدرة التكنولوجية عنصر مهم في هذا السباق، لكن المرونة الاجتماعية وحرية المبادرة الفردية وقدرة النظام السياسي على تصحيح أخطائه ستؤثر أيضاً في نتيجة المنافسة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











