مليح ألتنوك - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس

من الواضح أن التوتر بين تركيا وأذربيجان يصبّ في مصلحة إسرائيل وحدها لا غير، وأن تل أبيب تشعر بسعادة غامرة إزاء ذلك.

فهل يمكن أن تكون هذه النتيجة مجرد مصادفة؟

إن من يعرف الصهيونية ولو قليلاً لا يمكنه تصديق مثل هذه المصادفة.

تعبّر إسرائيل صراحة عن مساعيها لمحاصرة تركيا، وتشن تحركات مضادة عبر اليونان في الغرب، والجزء القبرصي الرومي في الجنوب. وقد خسرت موطئ قدمها في سوريا والعراق. ورحل الأسد، وأُصيب حزب العمال الكردستاني (PKK) بالشلل بفعل مسار الحل الجديد.

ولم يتبقَّ سوى منطقة القوقاز. وهذه هي المنطقة الأنسب للرد على توسيع تركيا دائرة نفوذها على حساب إسرائيل، من خلال تحالف مكة والاتفاقية الليبية.

ولن تكون العمليات التي قد تطلقها إسرائيل عبر أرمينيا، التي لم تتمكن تاريخياً من التوصل إلى تفاهم معها، مؤثرة. كما أن باشينيان لن يكون أداة في هذه العملية. أما أذربيجان، فتُعد نقطة ضعف، لأنها بديل لم يكن ليتبادر إلى الذهن أصلاً عند الحديث عن فتح جبهات ضد تركيا.

فكيف يمكن إذن إفساد العلاقة بين تركيا وأذربيجان، اللتين تربطهما علاقات قوية؟

لقد نسجت إسرائيل خيوط هذه العملية واحدة تلو الأخرى، واستغلت مواطن الضعف، وعملت على إثارة الحساسيات.

وقد مهّدت حرب قره باغ الأرضية لذلك، من خلال تقديم مساعدات عسكرية واستخباراتية لم يكن بوسع أذربيجان رفضها. كما وضعت أمام أعين باكو التأكيدات المتكررة على الدعم الذي قدمته أنقرة لأذربيجان خلال الحرب.

ولا شك أن بعض الشخصيات عديمة الكفاءة، التي بالغت في استخدام شعار «شعب واحد ودولتان» حتى استنفدت معناه، كانت مفيدة جداً لهم خلال هذه العملية أيضاً.

ومن المفهوم أن أذربيجان لا تريد أن تسمح لأحد بمشاركتها دورها في قره باغ، التي تمثل قضيتها الوطنية الأساسية. وهل من المستغرب أن يشعر علييف، الذي أدرج انتصار قره باغ في الكتب المدرسية، بالغيرة على أهم أوراق قوته؟

وللأسف، وصل الأمر إلى حد إرسال علييف، الذي جرى استدراجه منذ فترة طويلة، وزير خارجيته إلى قمة منظمة الدول التركية في أنقرة.

أليس هذا تطوراً من شأنه أن يواسي نتنياهو، الذي خرج من صناديق الاقتراع بصعوبة؟

وبالطبع، هناك أيضاً الجانب التركي من المسألة. فلم يكن من الممكن تخريب العلاقات من خلال الاستفزازات في أذربيجان وحدها.

وفي خضم هذه العملية تحديداً، صبّ الجدل الذي اندلع في الرأي العام التركي بشأن تطبيق قواعد الحجاب في أذربيجان مزيداً من الزيت على النار.

ولا أشك في أن عتاب المواطنين الذين وجهوا انتقادات إلى أذربيجان بسبب علاقاتها مع إسرائيل كان عفوياً وصادقاً.

لكن من المستحيل ألا يدرك أولئك الذين انخرطوا في هذه العملية من خلال حجج سياسية، والذين يطلقون ادعاءات كبرى من قبيل خدمة المصالح العليا لتركيا والإسلام، أنهم يصبّون الماء في طاحونة إسرائيل.

لا بد أن تكون هناك أسباب ممنهجة وراء تخريب السياسة الخارجية التي يديرها الرئيس أردوغان برباطة جأش، بهذه الطريقة الفظة.

ذلك أن التوجه الذي يرسمه هذا الفريق لتركيا في السياسة الخارجية يتطابق في كل مرة مع خطاب تل أبيب، وهو الفريق الذي يبدو أنه يرى نفسه «واعياً» إلى حد يسمح له بإعطاء أردوغان دروساً في الحساسية تجاه الحجاب.

إن الذين يعارضون اتفاقية مكة، التي يقرأها نتنياهو باعتبارها «تحالفاً سنياً»، هم أنفسهم الذين يهاجمون أذربيجان بسبب تقاربها مع إسرائيل.

انتظروا لتروا، إذا اقتربت مصر غداً من تحالف مكة، وأبدت موافقتها على الاتفاقية الليبية، فسيبدأ هؤلاء بالقول: «سواء كان السيسي أم مرسي».

كلمة أخيرة... نحن على يقين من أن علييف يعرف صبر أردوغان ونضجه، الذي عمل معه لفترة طويلة جداً، بقدر ما نعرفهما نحن المواطنين الأتراك، إن لم يكن أكثر. ونؤمن بأنه سيتخذ هو أيضاً موقفاً ينسجم مع النهج البنّاء الذي أبداه الرئيس منذ بداية الأزمة.

عن الكاتب

مليح ألتنوك

كاتب صحفي في صحيفة ديلي صباح


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس