ترك برس

كشفت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، عبر موقعها الرسمي، تفاصيل غير مألوفة عن وحدة استطلاع سرية عملت في قاعدة إنجرليك الجوية بولاية أضنة جنوبي تركيا خلال الحرب الباردة، وتركت وراءها تذكارًا غريبًا تمثل في كوب بيرة خزفي يخفي صورة لا تظهر إلا عند تسليط الضوء عليه.

وبحسب ما نشرته الوكالة ضمن مقتنيات متحفها، فإن القصة تعود إلى سبتمبر/أيلول 1956، عندما نشرت الولايات المتحدة وحدة سرية تُعرف باسم «المفرزة B» (Detachment B) في قاعدة إنجرليك، لتصبح أحد المراكز الرئيسية لعمليات الاستطلاع الجوي الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

https://x.com/nevzatcicek/status/2118824289008791846?a=YiEOkoCAUX5RgAI5d...

إنجرليك مركز لعمليات التجسس خلال الحرب الباردة

خلال خمسينيات القرن الماضي، وفي ظل تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، اعتمدت الاستخبارات الأمريكية على طائرات الاستطلاع المتطورة من طراز U-2 لجمع معلومات حساسة عن القدرات العسكرية السوفيتية.

وتميزت هذه الطائرات بقدرتها على التحليق على ارتفاعات شاهقة، ما أتاح لها تصوير المنشآت العسكرية والمواقع الاستراتيجية التي كان يصعب الوصول إليها بوسائل الاستطلاع التقليدية.

واكتسبت قاعدة إنجرليك أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي القريب من الاتحاد السوفيتي والشرق الأوسط، إذ استُخدمت لتنفيذ عمليات استطلاع شملت مناطق مختلفة، كما ساهمت الطائرات المتمركزة فيها في جمع المعلومات خلال أزمات إقليمية، من بينها أزمة السويس عام 1956.

طيار من إنجرليك يتسبب بأزمة دولية

وكان من أبرز أفراد الوحدة الطيار الأمريكي فرانسيس غاري باورز، الذي ارتبط اسمه بواحدة من أشهر حوادث التجسس في تاريخ الحرب الباردة.

ففي الأول من مايو/أيار 1960، أسقطت الدفاعات الجوية السوفيتية طائرته من طراز U-2 فوق الأراضي السوفيتية، وتمكنت السلطات من أسره حيًا.

وكان باورز يعمل ضمن الوحدة المتمركزة في إنجرليك، بينما انطلقت رحلته الأخيرة من قاعدة بيشاور في باكستان، ضمن عملية استطلاع خططت لها الاستخبارات الأمريكية.

وأثار إسقاط الطائرة أزمة دبلوماسية حادة بين واشنطن وموسكو، بعدما انكشفت طبيعة المهمة الاستخباراتية، الأمر الذي أدى إلى وقف عمليات التحليق التجسسي الأمريكية فوق الاتحاد السوفيتي، وإنهاء عمليات وحدة U-2 التابعة للاستخبارات الأمريكية انطلاقًا من تركيا.

كوب بيرة يكشف جانبًا من حياة الوحدة السرية

ورغم الأهمية العسكرية والاستخباراتية لهذه العمليات، فإن ما سلطت عليه الوكالة الضوء هذه المرة لم يكن طائرة أو وثيقة سرية، بل قطعة تذكارية احتفظ بها أفراد الوحدة لتخليد فترة خدمتهم في تركيا.

ووفقًا لرواية أحد الضباط الذين خدموا في إنجرليك، أراد أفراد الوحدة الحصول على تذكار خاص يعكس تجربتهم، بشرط ألا يكشف طبيعة مهامهم المصنفة سرية.

واستقر اختيارهم على تصميم كوب بيرة خزفي يحمل اسم «Turkey Trotters»، وهو اسم طريف يرتبط بفترة وجودهم في تركيا.

وحمل الكوب رسمًا لمرحاض خارجي، بينما زُوّد بغطاء معدني تعلوه طائرة صغيرة ترمز إلى طائرات الاستطلاع U-2 التي كانت تستخدمها الوحدة.

وأوضحت الوكالة أن أفراد الوحدة اختاروا هذا النوع من التذكارات انسجامًا مع تقاليد شائعة في الوحدات العسكرية، حيث اعتاد العسكريون الاحتفاظ بأغراض تحمل رموزًا مرتبطة بفترات خدمتهم.

ما علاقة مدينة ألمانية بالتذكار؟

لم يُصنع الكوب في تركيا، بل في مدينة فيسبادن الألمانية، التي كانت وجهة معتادة لأفراد الوحدة خلال فترات الراحة والإجازات.

وحمل الجزء الخلفي من الكوب شعارًا دائريًا يتضمن عبارة «أكبر ساعة وقواق في العالم»، في إشارة إلى المدينة الألمانية.

وأشارت CIA إلى أن معظم زخارف الشعار تلاشت بمرور الزمن، لكن بعض تفاصيله بقيت ظاهرة، فيما حمل قاع الكوب كلمة ألمانية تعني «مرسوم يدويًا».

وتكشف هذه التفاصيل جانبًا مختلفًا من حياة أفراد الوحدة، الذين جمعوا في تذكار واحد ذكريات خدمتهم في تركيا ورحلاتهم إلى ألمانيا.

صورة مخفية لا تظهر إلا بالضوء

أما العنصر الأكثر غرابة، فكان موجودًا في قاع الكوب الخزفي.

فقد استخدم صانعوه تقنية فنية تُعرف باسم «الليتوفان» (Lithophane)، وهي طريقة تعتمد على تشكيل صورة بارزة داخل طبقات رقيقة من الخزف شبه الشفاف، بحيث تصبح الصورة واضحة عند تعريضها لإضاءة قوية من الخلف.

وبهذه الطريقة، احتوى الكوب على صورة ثلاثية الأبعاد لا يمكن رؤيتها بوضوح في الظروف العادية، وإنما تظهر عند توجيه مصدر ضوئي قوي نحو قاعدته.

ويمنح هذا التفصيل التذكار طابعًا استثنائيًا، خصوصًا أنه صُنع لأفراد وحدة كانت طبيعة عملها قائمة على السرية وجمع المعلومات الاستخباراتية.

من قاعدة سرية إلى مقتنيات متحف CIA

وبحسب الوكالة، حصل أفراد الوحدة على نسخ من الكوب التذكاري، وانتقلت بعض هذه القطع لاحقًا إلى مجموعات خاصة، فيما ظهرت نسخ منها في مزادات علنية.

وأشارت إلى أن عائلة الطيار فرانسيس غاري باورز باعت الكوب الخاص به في أحد المزادات خلال السنوات الماضية.

وتحتفظ الوكالة بنسخة مشابهة ضمن مقتنيات متحفها، باعتبارها قطعة توثق جانبًا من تاريخ عمليات الاستطلاع الأمريكية خلال الحرب الباردة.

وتعكس قصة هذا الكوب جانبًا غير مألوف من تاريخ قاعدة إنجرليك التركية، التي شكّلت خلال خمسينيات القرن الماضي مركزًا مهمًا للعمليات الاستخباراتية الأمريكية.

فبينما كانت طائرات U-2 تنطلق في مهام لمراقبة التحركات العسكرية السوفيتية، كان أفراد الوحدة يصنعون تذكارات بسيطة لتخليد تجربتهم، ليصبح أحد هذه الأغراض، بعد عقود، شاهدًا على مرحلة حساسة من تاريخ التجسس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!