
ترك برس
فتحت زيارة قائد القوات البرية التركية إلى القاهرة باب التساؤلات بشأن أبعاد التقارب العسكري المتسارع بين مصر وتركيا، بعد سنوات من التنافس في ليبيا وشرق المتوسط، وسط تحركات لإعادة رسم التحالفات الإقليمية واحتمالات انضمام القاهرة إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك.
وأعلن السفير التركي لدى مصر صالح موتلو شين استقبال توكل في مطار القاهرة العسكري الشرقي، مشيراً إلى أنها زيارة رسمية، من دون الكشف عن برنامج مباحثاتها.
وتأتي الزيارة بعد اجتماعات لرؤساء الأركان ووزراء الدفاع ومناورات مشتركة واتفاقات في التصنيع العسكري، وفي توقيت يتزامن مع محاولات بناء ترتيبات أمنية إقليمية تضم تركيا والسعودية وباكستان.
وفي حين تتعدد التفسيرات التي تقدمها الصحافة المصرية والتركية لأسباب التقارب، تبرز ملفات ليبيا والسودان والبحر الأحمر والصناعات الدفاعية، إلى جانب التساؤلات بشأن دور اتفاقية مكة في توسيع التعاون، بحسب تقرير لـ "تلفزيون سوريا".
تعاون بدأ قبل التحالفات الجديدة
انطلقت خطوات التقارب الدبلوماسي بين القاهرة وأنقرة عام 2021، وأعاد البلدان تبادل السفراء في 2023، بعد قطيعة أعقبت الإطاحة بالرئيس محمد مرسي عام 2013. ومنذ 2024، امتدت المصالحة إلى المؤسسة العسكرية؛ إذ تبادل كبار القادة الزيارات، قبل أن يشهد اجتماع الرئيسين عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان في القاهرة في شباط 2026 توقيع مذكرة تفاهم دفاعية.
وفي حزيران، زار رئيس الأركان التركي سلجوق بيرقدار أوغلو القاهرة، وشارك مع نظيره أحمد خليفة في الاجتماع الخامس للجنة التعاون العسكري. وأعلنت الجهات المصرية توقيع بروتوكول يتضمن أنشطة مشتركة وتبادل الخبرات.
وفي تموز، زار وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر أنقرة، ووقّع الجانبان خطابَي نوايا بشأن التعاون الدفاعي والصناعات العسكرية.
وعلى الأرض، شاركت مقاتلات مصرية في تدريب "نسر الأناضول" بتركيا، في حين استضافت مصر تدريب "العقاب الذهبي" بمشاركة قوات تركية خاصة وعناصر من الصاعقة والمظلات المصرية. وسبقهما تدريب "بحر الصداقة" البحري عام 2025. وبحسب وزارة الدفاع المصرية، استهدفت التدريبات تعزيز قدرة القوات على العمل المشترك وتبادل الخبرات التكتيكية.
وفي تقرير نشره موقع "المنصة" المصري في أيلول، قال السفير المصري السابق أيمن زين الدين إن العلاقات بين البلدين "لم ترتقِ إلى هذا القدر من التعاون من قبل".
ورأى العميد سمير راغب، في التقرير نفسه، أن التحول لا يمكن ربطه بعامل واحد، مشيراً إلى إعادة أنقرة تقييم سياستها الإقليمية وتراجع وزن الخلاف الأيديولوجي في قراراتها تجاه القاهرة.
لماذا تتقارب المؤسستان العسكريتان؟
حتى سنوات قريبة، دعمت تركيا حكومة طرابلس، في حين دعمت مصر السلطات والقوات في الشرق الليبي، وتصاعد التوتر بين الجانبين عام 2020. لكن أنقرة وسعت لاحقاً اتصالاتها بمعسكر خليفة حفتر، وأعلن البلدان في شباط الماضي تأييدهما مساراً سياسياً ليبياً برعاية الأمم المتحدة.
ونقل "المنصة" عن زين الدين أن الطرفين أجريا "مراجعة عميقة لأسباب الخلاف بينهما"، بعدما أدركا أن المنطقة لا تحتمل استنزاف قدراتهما في صدام. وفي مقابلة مع "الجزيرة نت" في تموز، اعتبر الخبير العسكري المصري سمير فرج أن الزيارات تمهد للتعاون في التدريب والمعلومات والتسليح، لكنه تحفظ على تفسيرها بأنها رسالة إلى دولة أخرى.
وتتجاوز المصالح المشتركة ليبيا. ففي الإعلان الرئاسي المصري–التركي في شباط، أكد البلدان دعم وحدة السودان والصومال، وتأمين البحر الأحمر واستعادة الملاحة الطبيعية، إلى جانب التنسيق بشأن غزة.
وقال الباحث التركي جوخان إريلي لـ"المنصة" إن "غزة وليبيا والبحر الأحمر لا تزال الساحات العملياتية التي يُختبر فيها هذا التقارب"، رابطاً تسارعه بمخاوف إقليمية مشتركة من التحركات الإسرائيلية والاعتماد المفرط على المظلة الأمنية الأميركية.
وكتب الأكاديمي التركي حسين ألبتكين، من جامعة الدفاع الوطني، في تحليل نشرته وكالة "الأناضول" في تموز، أن التعاون البحري مع مصر، إلى جانب الشراكات التركية مع ليبيا وسوريا، قد يتيح لأنقرة شبكة أمنية أوسع في شرق المتوسط.
وربط الكاتب ذلك بمحاولة الحد من تأثير الترتيبات الإقليمية التي تستبعد تركيا، وهو تفسير يتعلق بالمصالح التركية ولا يشكل موقفاً مشتركاً مع القاهرة.
وفي تحليل نشرته صحيفة "كاثيميريني" اليونانية في تموز، رأت الصحفية المصرية سارة شريف أن تقارب البلدين يستجيب أيضاً لمصالح اقتصادية متبادلة؛ فتركيا تبحث عن أسواق لصناعاتها الدفاعية، بينما تتطلع مصر إلى توسيع التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على مصادر التسليح التقليدية. واعتبرت أن مستوى التعاون الحالي أقرب إلى "شراكة دفاعية متقدمة" منه إلى حلف يقوم على التزامات دفاع متبادل.
خلافات قائمة لا توقف التعاون
لا تعني المناورات والاتفاقات انتهاء التنافس. ففي 23 تشرين الأول، جددت القاهرة اعتراضها على مذكرة ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، بعد مصادقة مجلس النواب الليبي عليها.
وقال اللواء المصري محمد الكشكي، في تقرير لـ"الجزيرة نت"، إن التطور يعكس إعادة تشكيل النفوذ في شرق ليبيا وشرق المتوسط، وإنه لا يحسم النزاع القانوني بشأن المناطق البحرية.
ومن الجانب التركي، خلص الباحث إمرة كورت، في دراسة نُشرت في 21 تشرين الأول بدورية "مقاربات أكاديمية"، إلى أن البلدين يتبعان نهج فصل الخلافات في ليبيا وشرق المتوسط عن مجالات التعاون الأخرى، مع استمرار احتمال عودة التوتر. وتقدم الدراسة تفسيراً لاستمرار المسار العسكري بالتوازي مع اعتراضات سياسية وقانونية متبادلة.
هل تمنح اتفاقية مكة التقارب هدفاً إضافياً؟
تزامنت زيارة توكل مع إحالة اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان إلى البرلمان التركي في 21 تشرين الأول، وموافقة البرلمان المصري في 26 منه على تفويض السيسي باتخاذ إجراءات للدفاع عن السعودية عند الحاجة.
وبين الموعدين، اجتمع وزراء خارجية الدول الأربع في إسطنبول يوم 23 تشرين الأول، وأدانوا الهجمات الحوثية على السعودية والملاحة في البحر الأحمر، واتفقوا على استمرار التنسيق والتشاور.
وفي مقابلة مع "الأناضول" في آب، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن "مصر شريك طبيعي لنا في جميع القضايا"، معرباً عن اعتقاده بأنها ستنضم لاحقاً إلى تحالف مكة. أما نظيره المصري بدر عبد العاطي، فأعلن في تشرين الأول أن القاهرة تدرس الانضمام "بجدية"، من دون قرار نهائي.
وفي قراءة تركية نشرتها وكالة "الأناضول" في آب، رأى الباحث حمد الله بايجار أن انضمام مصر سيمنح الاتفاقية ثقلاً عسكرياً وسياسياً، ويزيد تأثيرها في معادلات شرق المتوسط.
وفي المقابل، كتب الصحفي المصري عماد الدين حسين في "الشروق" أن القاهرة "ستفكر كثيراً إذا تحول الأمر إلى تحالف عسكري يرتب واجبات ومسؤوليات"، في إشارة إلى كلفة الالتزامات المحتملة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











