ترك برس

تتصدر العلاقات الاقتصادية بين تركيا والاتحاد الأوروبي جدول الأعمال مجدداً، في وقت يشهد فيه الاتحاد تحولاً نحو سياسات صناعية جديدة تهدف إلى تعزيز الإنتاج داخل أوروبا وتقليل الاعتماد الاستراتيجي. ومع أن الاتحاد الجمركي الذي يربط الطرفين منذ نحو ثلاثين عاماً قد أصبح قديماً من حيث النطاق، فإن إلزاميته القانونية ما زالت قائمة، مما يفرض نقاشاً أعمق يتجاوز مجرد التحديث التقني إلى تحديد موقع تركيا ضمن المنظومة الصناعية الأوروبية الجديدة.

يقول الكاتب التركي ثروت يلدريم في تحليل نشرته صحيفة «ملييت»: «الاتحاد الجمركي قديم، لكن إلزاميته القانونية ما زالت سارية. والمسألة التي ينبغي أن نناقشها اليوم بخصوص مستقبل العلاقات الاقتصادية بين تركيا والاتحاد الأوروبي ليست فقط كيفية تحديث هذه البنية، بل كيف ستتموضع تركيا داخل السياسة الصناعية الجديدة لأوروبا. وقد أظهرت الاتصالات التي جرت الأسبوع الماضي في قمة الأعمال الثانية بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في بروكسل مرة أخرى أن هذين العنوانين لا يمكن تناولهما بشكل منفصل».

ويشير يلدريم إلى مقترح قانون تسريع الصناعة الذي أعلنته المفوضية الأوروبية في 4 آذار/مارس 2026، والذي يهدف إلى الإبقاء على الإنتاج في أوروبا وزيادة الاستثمارات وتقليل الاعتماديات الاستراتيجية. غير أن بقاء تركيا، التي اندمجت مع الصناعة الأوروبية لنحو ثلاثين عاماً، خارج تنظيمات الحوافز الجديدة والمشتريات العامة يثير تساؤلات مهمة حول كيفية تطبيق هذه الأهداف. وينقل عن نائب وزير التجارة مصطفى توزجو قوله: «رغم أن نطاق الاتحاد الجمركي قديم، فإن إلزاميته القانونية مطلقة». ويوضح أن حجم التجارة بين تركيا والاتحاد الأوروبي ارتفع خلال الثلاثين عاماً الماضية من 23 مليار دولار إلى 233 مليار دولار، مدفوعاً ليس فقط بتبادل السلع بل بسلاسل القيمة المتكاملة التي تربط عمليات الإنتاج بين الطرفين.

وفي القمة، لخص رئيس مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية (DEİK) نايل أولباك أولويات تركيا في ثلاثة عناوين: تحديث الاتحاد الجمركي، وتعزيز موقع تركيا في المنظومة الصناعية الأوروبية، والربط. ويقترح أولباك بوضوح تبني مفهوم «صُنع مع أوروبا» بدلاً من «صُنع في أوروبا». ويدافع الرئيس التنفيذي لـ«كوتش هولدنغ» ليفنت تشاكير أوغلو عن النهج نفسه، معارضاً النظر إلى تركيا كـ«باب خلفي» للسوق الأوروبية. ويذكّر بأن حجم الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في تركيا يبلغ نحو 3 مليارات دولار، مقابل 117 مليار دولار في الاتحاد الأوروبي، معتبراً أن استبعاد تركيا قد يتناقض مع هدف أوروبا تعزيز منظومتها الإنتاجية. ويبرز وزير التجارة عمر بولات بيانات قطاع السيارات التي تؤكد أهمية النقاش: فالتجارة في هذا القطاع بين تركيا والاتحاد الأوروبي تبلغ 62 مليار دولار، أي نحو 26% من إجمالي التجارة، كما أن 75% من إنتاج السيارات في تركيا يتم بواسطة شركات أوروبية، مما يعني أن المسألة لا تقتصر على وصول المنتجين الأتراك إلى السوق.

ويتابع يلدريم بالإشارة إلى تأكيد السفيرة يابراك بالكان، الممثلة الدائمة لتركيا لدى الاتحاد الأوروبي، على قرار مجلس الشراكة رقم 1/95 الذي أسس الاتحاد الجمركي، وضرورة أن تكون التنظيمات الجديدة متوافقة مع الالتزامات القائمة. كما استمع المشاركون إلى نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو، الذي وصف تركيا بأنها شريك صناعي لأوروبا ومركز إنتاج وتجارة يفتح الطريق إلى الأسواق المحيطة، مع الإشارة إلى ضرورة معالجة الخلافات في مسائل الحقوق الأساسية وسيادة القانون عبر حوار مفتوح. ويلخص منسق مجالس الأعمال التركية-الأوروبية محمد علي يالتشينداغ الوضع قائلاً: «لسنا مضطرين إلى حل كل خلاف من أجل التحرك».

ويشير الأمين العام لمائدة الصناعيين الأوروبيين المستديرة أنتوني غوتش غالفيز إلى الحاجة إلى آليات تعاون جديدة في مجالات الخدمات والمشتريات العامة وصناعة الدفاع، مما يدل على ضرورة نقل العلاقة الاقتصادية إلى ما بعد الإطار الحالي. ويؤكد يلدريم أن تحديث الاتحاد الجمركي يتطلب وضع قواعد جديدة في الخدمات والتجارة الرقمية والزراعة والمشتريات العامة وحل النزاعات. أما إدراج تركيا ضمن نطاق «صُنع في أوروبا» فيتعلق بالحفاظ على التكامل الإنتاجي القائم داخل السياسات الصناعية الجديدة. ويقول: «تحقيق أحدهما لا يلغي الآخر؛ فالعنوانان يكملان بعضهما بعضاً. وبالطبع يتعين على تركيا أيضاً اتخاذ خطوات تبعث على الثقة في مسائل دولة القانون والقابلية الاقتصادية للتوقع والامتثال للمعايير الأوروبية».

ويخلص الكاتب إلى أن الرسالة الصادرة عن قمة بروكسل كانت واضحة: لا يوجد تناقض إلزامي بين تعزيز أوروبا لقدرتها الصناعية واستمرار تكاملها الاقتصادي مع تركيا. فالمسألة الأساسية هي تصميم القواعد الجديدة بطريقة تعزز شبكات الإنتاج القائمة بدل إضعافها. فإذا طُبق مفهوم «صُنع في الاتحاد الأوروبي» على نحو يضيق الحدود، فسيواجه المنتجون في تركيا كما في أوروبا مخاطر التكلفة والتوريد. أما نهج «صُنع مع الاتحاد الأوروبي» فيهدف إلى أن تنتج أوروبا وتستثمر وتنمي قدرتها في المنافسة العالمية مع شركاء مندمجين مثل تركيا. ويحدد يلدريم مهمتين أمام بروكسل: تحويل الإرادة السياسية لتحديث الاتحاد الجمركي إلى خطوات تفاوضية ملموسة، وتحديد مكانة تركيا في النظام الصناعي الجديد بإطار عادل وقابل للتوقع. أما بالنسبة لتركيا فالمسألة ليست فقط عدم الاستبعاد، بل ترسيخ موقعها كشريك موثوق في نظام الإنتاج والاستثمار الأوروبي المستقبلي.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!