ترك برس

في ظل التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية الإقليمية، تتجه تركيا إلى توسيع شبكة شراكاتها الدفاعية، عبر الجمع بين ترتيبات للأمن المشترك واتفاقات للتعاون الصناعي والتكنولوجي، في مسعى لتعزيز قدراتها الإنتاجية وتوسيع دورها في صياغة معادلات الأمن الإقليمي.

وفي هذا السياق، يرى الكاتب التركي بارتو إكن، في مقال تحليلي نشره موقع «خبر 7» التركي، أن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، ومذكرة تفاهم «بدر» بين تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا، يعكسان مسارين متكاملين في التحرك التركي، أحدهما يركز على الردع والأمن المشترك، والآخر على تطوير الصناعات الدفاعية وتبادل التكنولوجيا والإنتاج العسكري.

ويقول إكن إن اتفاق «بدر»، الذي وقّعته الدول الأربع في العاصمة القطرية الدوحة، يمثل خطوة نحو تطوير قاعدة مشتركة للتعاون في الصناعات الدفاعية، رغم اختلاف طبيعة التهديدات الأمنية التي تواجهها الدول المشاركة.

ويضيف الكاتب أن المذكرة تشمل الإنتاج العسكري المشترك، وتبادل التكنولوجيا، والبحث والتطوير، والتدريب الفني، موضحا أن الدول الأربع تستهدف، من خلال هذا التعاون، الانتقال إلى تنسيق أوسع في عمليات الإنتاج والتطوير، بدلا من الاكتفاء بشراء المعدات العسكرية من الخارج.

وكانت وزارات الدفاع في تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا وقّعت، في 21 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، مذكرة تفاهم «بدر» في الدوحة، بحضور مسؤولين عن الصناعات الدفاعية، بحسب وزارة الدفاع التركية.

وذكرت الوزارة أن المذكرة تستهدف تعزيز التعاون في الإنتاج العسكري وتطوير القدرات الدفاعية للدول الأربع، إلى جانب توسيع التعاون في التدريب العسكري الفني والبحث والتطوير.

اتفاقان بمهمتين مختلفتين

ويشدد إكن على ضرورة التمييز بين اتفاق مكة ومذكرة تفاهم بدر، رغم وجود تركيا وباكستان طرفين مشتركين فيهما.

ويقول الكاتب إن أبرز ما يميز اتفاق مكة، الموقّع في 7 أغسطس/ آب الماضي بين تركيا والسعودية وباكستان، هو النص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا، بما يعزز الردع الجماعي بينها.

وفي المقابل، يوضح أن مذكرة بدر لا تتضمن تعهدا مماثلا بالدفاع العسكري المتبادل، بل تركز على بناء القدرات الصناعية والتكنولوجية وتطوير الإنتاج الدفاعي المشترك.

وكانت الرئاسة التركية أعلنت، عقب توقيع اتفاق مكة، أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز الردع الجماعي وتطوير التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، وينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحداها هجوما على الدول الأخرى.

وفي هذا الإطار، لا يقتصر الاختلاف بين الاتفاقين على عدد الدول المشاركة، بل يمتد إلى طبيعة الالتزامات؛ إذ يتصل اتفاق مكة بالأمن المشترك والردع، بينما يتيح اتفاق بدر إطارا للتعاون الصناعي يمكن أن يفضي إلى مشروعات مشتركة في التصنيع والتكنولوجيا والتدريب.

ويرى الكاتب أن وجود تركيا وباكستان في الاتفاقين يمنح أنقرة وإسلام آباد موقعا مشتركا ضمن مسارين متوازيين، أحدهما يربطهما بالسعودية في المجال الأمني، والآخر يجمعهما مع قطر وإندونيسيا في مجال الصناعات الدفاعية.

تركيا.. القدرات الصناعية أساس الشراكة

ويعتبر إكن أن أبرز ما تقدمه تركيا إلى شراكة بدر هو الخبرة التي راكمتها خلال السنوات الأخيرة في تطوير الأنظمة العسكرية وإنتاجها، ولا سيما الطائرات المسيرة والسفن الحربية وأنظمة الحرب الإلكترونية والعربات المدرعة والذخائر.

ويقول الكاتب إن جزءا من هذه الأنظمة لم يعد مقتصرا على الاستخدام داخل القوات المسلحة التركية، بل دخل أيضا أسواق التصدير، وجرى دمجه في جيوش دول أخرى واختباره في بيئات مختلفة.

ويستشهد بمشروع طرادات «ميلغم» بين تركيا وباكستان، ومشروع دبابة «كابلان» متوسطة الوزن مع إندونيسيا، باعتبارهما مثالين على وجود تعاون دفاعي قائم بين بعض أطراف مذكرة بدر قبل توقيعها.

كما يشير إلى اتفاق تركيا وإندونيسيا بشأن شراء 48 مقاتلة من طراز «قآن»، وإلى وجود اتفاق إطاري بين شركة «بايكار» التركية والجانب الإندونيسي بشأن الطائرة المسيرة القتالية «قزل إلما»، بوصفهما مؤشرين على اتساع نطاق التعاون الدفاعي بين البلدين.

وبحسب الكاتب، فإن أهمية مذكرة بدر تكمن في إمكانية نقل هذه العلاقات من مشروعات ثنائية متفرقة إلى إطار متعدد الأطراف، يسمح بتنسيق الاحتياجات وتطوير التقنيات وتنظيم عمليات الإنتاج بصورة أكثر تكاملا.

ويعزز هذا التوجه مسار التعاون الذي تسعى إليه تركيا عبر مؤسساتها الرسمية وشركاتها الدفاعية، إذ شارك رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية خلوق غورغون في مراسم توقيع المذكرة، إلى جانب وزير الدفاع يشار غولر وممثلي الدول الأخرى، وفقا لوزارة الدفاع التركية.

قطر وباكستان وإندونيسيا.. أدوار متكاملة

وفي قراءته لمصالح الدول المشاركة، يحذر إكن من اختزال دور قطر في توفير التمويل، مشيرا إلى أن الدوحة تستثمر منذ سنوات في الصناعات الدفاعية وتعمل على تطوير شراكات مع الشركات التركية.

ويستشهد الكاتب بالتفاهم بشأن تأسيس مشروع مشترك بين شركة الصناعات الميكانيكية والكيميائية التركية «إم كي إي» وشركة «برزان القابضة» القطرية، باعتباره مثالا على توجه الدوحة إلى المشاركة في تطوير القدرات الصناعية الدفاعية.

أما باكستان، فيرى إكن أنها تمتلك خبرة في تطوير الطائرات المقاتلة والذخائر والأنظمة العسكرية، إلى جانب ثقل استراتيجي نابع من امتلاكها السلاح النووي.

لكنه يشدد على أن هذه القدرات لا تعني تلقائيا توفير ضمانة أمنية نووية للدول المشاركة في مذكرة بدر، إذ لا يتضمن الاتفاق، بحسب تحليله، التزاما بالدفاع العسكري المتبادل.

وفي ما يتعلق بإندونيسيا، يبرز الكاتب أهمية تعاونها مع تركيا في المشروعات العسكرية، معتبرا أن العلاقات القائمة بين البلدين توفر أساسا لتوسيع الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات.

وبذلك، يمكن للدول الأربع أن تجمع بين الخبرة الصناعية التركية، والاستثمارات والشراكات القطرية، والخبرات الباكستانية في تطوير الأنظمة العسكرية، والاحتياجات الدفاعية الإندونيسية، على أن يظل تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج عملية مرتبطا بطبيعة المشروعات التي ستُنفذ وآليات تمويلها وتقاسم التكنولوجيا والإنتاج.

هل يشكل الاتفاق بديلا عن الغرب؟

ويطرح إكن تساؤلا بشأن ما إذا كان التقارب الدفاعي بين الدول الأربع يمثل محاولة لبناء بديل عن المنظومة الدفاعية الغربية، لكنه يستبعد اختزال دوافع هذه الشراكة في معاداة الغرب.

ويقول الكاتب إن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، فيما تربط قطر والسعودية علاقات أمنية وثيقة بالولايات المتحدة، وتتمتع باكستان بتعاون دفاعي وثيق مع الصين، بينما تسعى إندونيسيا إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع قوى دولية متعددة.

ويضيف أن التفسير الأكثر واقعية لهذا التقارب يتمثل في رغبة الدول المشاركة في تقليل الاعتماد على مورد عسكري واحد، وتنويع مصادر التسليح، وتعزيز قدرتها على تطوير بعض الأنظمة والتقنيات بصورة مشتركة.

وفي هذا السياق، أوضحت الرئاسة التركية، في بيان رسمي بشأن اتفاق مكة، أن الاتفاق لا يستهدف دولة أو تكتلا بعينه، ولا يشكل بديلا عن التزامات تركيا القائمة في إطار الناتو، بل يمثل آلية مكملة للتعاون الأمني الإقليمي. 

ويرى إكن أن نجاح مذكرة بدر قد يتيح للدول الأربع تطوير بعض المكونات العسكرية الحساسة بصورة مشتركة، وتوزيع عمليات الإنتاج على منشآت مختلفة، وتنويع سلاسل التوريد، بما يرفع قدرتها على تلبية احتياجاتها الدفاعية.

لكنه يحذر من أن هذه الخطوة لا تعني أن الدول المشاركة باتت قادرة على الاستغناء عن الأنظمة الغربية أو بناء صناعة دفاعية مستقلة تماما؛ إذ تظل الطائرات المقاتلة والمحركات والأنظمة الإلكترونية المعقدة مرتبطة بتقنيات أجنبية وتراخيص تصدير وقيود على نقل التكنولوجيا.

ومن ثم، فإن تعزيز التعاون الصناعي لا يقتصر على توقيع الاتفاقات، بل يتطلب تحديد التقنيات التي يمكن تطويرها محليا، وضمان استدامة التمويل، والتوصل إلى ترتيبات واضحة بشأن الملكية الفكرية والتصنيع والتصدير.

أنقرة تسعى إلى دور أوسع في الأمن الإقليمي

وفي خلاصة تحليله، يرى إكن أن اتفاقي مكة وبدر يعكسان توجها تركيا نحو الاضطلاع بدور أوسع في الدبلوماسية الدفاعية، عبر المشاركة في صياغة ترتيبات الأمن الإقليمي وتحديد الاحتياجات العسكرية وتطوير المشروعات الصناعية المشتركة.

ويقول الكاتب إن هذا التوجه قد يحقق مكاسب اقتصادية وتكنولوجية لتركيا، من خلال توسيع أسواق شركاتها الدفاعية، وزيادة فرص الإنتاج المشترك، وتعزيز قدراتها البحثية والهندسية.

لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن توسيع شبكة الشراكات يفرض على أنقرة مسؤوليات سياسية وأمنية إضافية، ويجعل نجاحها مرتبطا بقدرتها على الموازنة بين التزاماتها الدولية ومصالح شركائها، وتجنب تحويل التعاون الصناعي إلى التزامات أمنية غير منصوص عليها.

وتكتسب هذه القراءة أهمية في ضوء التحركات المؤسسية التي أعقبت توقيع اتفاق مكة؛ إذ عقدت تركيا والسعودية وباكستان، في إسطنبول يوم 31 أغسطس/ آب الماضي، اجتماعا للجنة الاستراتيجية والسياسية والدفاعية المنشأة بموجب الاتفاق، واتفق ممثلو الدول الثلاث على اتخاذ خطوات لمأسسة التعاون وتعزيز الردع الجماعي والتعاون في الصناعات الدفاعية وتطوير التكنولوجيا والإنتاج المشترك. 

وبينما يركز اتفاق مكة على الالتزامات الأمنية المشتركة، ويستهدف اتفاق بدر تطوير القدرات الصناعية والتكنولوجية، فإن التحدي الأساسي أمام أنقرة وشركائها يتمثل في تحويل الأطر السياسية والتفاهمات الأولية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، تحقق مكاسب ملموسة وتوفر قدرا أكبر من الاستقلال في تلبية الاحتياجات الدفاعية.

وبذلك، فإن الاختبار الحقيقي لهذه المقاربة، وفق قراءة الكاتب التركي، لن يكون في عدد الاتفاقات الموقعة، بل في قدرة الدول المشاركة على بناء تعاون مستدام في الإنتاج والتكنولوجيا، من دون المبالغة في تقدير ما يمكن أن تحققه هذه الشراكات على صعيد الاستقلال الدفاعي أو ضمانات الأمن المتبادل.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!