ترك برس

شهدت أنقرة والدوحة في يوم واحد تطورين مهمين يعكسان سعي الدول الإقليمية إلى رسم معادلة أمنية جديدة. ففي أنقرة دخل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والسعودية جدول أعمال البرلمان التركي، بينما وُقّع في الدوحة مذكرة تفاهم بدر بين تركيا وباكستان وقطر وإندونيسيا. ويبرز وجود تركيا وباكستان في الاتفاقين معاً، في وقت يحمل فيه الصراع اليمني-السعودي مخاطر توسع.

يقول الكاتب محمد يالتشين يلماز في تحليل نشرته صحيفة «ستار»: «في أنقرة والدوحة شهد اليوم نفسه تطورين مهمين. فقد دخل اتفاق مكة للدفاع المشترك الموقع بين تركيا وباكستان والسعودية جدول أعمال البرلمان التركي. وفي العاصمة القطرية الدوحة وُقّعت مذكرة تفاهم بدر بين تركيا وباكستان وقطر وإندونيسيا. ويلفت الانتباه وجود تركيا وباكستان في الاتفاقين معاً. فضلاً عن أن هذه التطورات تجري في فترة يحمل فيها حرب اليمن-السعودية مخاطر توسع».

ووفقاً لبيان وزارة الدفاع الوطني التركية، تهدف مذكرة بدر إلى تطوير القدرات الإنتاجية العسكرية للدول الأربع، وزيادة التعاون في مجالات التدريب الفني والبحث والتطوير. وستُطوَّر مشاريع مشتركة في صناعة الدفاع، ويُستفاد معاً من إمكانات الإنتاج لدى هذه الدول. ويبرز البعد الاقتصادي هنا، إذ يُسعى إلى إقامة شراكة جديدة في مجالي الإنتاج والتكنولوجيا، لا في التضامن العسكري فحسب. ويتساءل الكاتب: «إلى أي مدى تريد الولايات المتحدة أن تزيد حليفاتها الإقليمية من قدراتها الدفاعية، بينما تسمح لهذه الدول بإقامة نظام أمني مستقل عن واشنطن؟».

أما اتفاق مكة فيحمل مسؤوليات مختلفة بين الأطراف. فهو يقوم على أساس الدفاع المتبادل والمساعدة العسكرية بين تركيا وباكستان والسعودية، وقد بدأ مسار المصادقة عليه في البرلمان. وسيُعتبر أي هجوم مسلح يُوجَّه إلى أحد الأطراف مسألة أمنية تهم جميع الأطراف. وبحسب رويترز، هناك حديث عن إعداد مذكرة تسمح بإرسال أفراد عسكريين إلى السعودية. غير أن الكاتب يؤكد أن المصادقة على الاتفاق وقرار إرسال القوات (المذكرة) يخضعان في تركيا لمسارات قانونية مختلفة.

ويتساءل يلماز عن دلالة سقوط الاتفاقين في تدفق الأخبار في اليوم نفسه. ويقول إن نظرة أولى تكشف عن شبكة تعاون إقليمي جديدة موجهة نحو أمن الخليج. فالدول الموقعة تمتلك قدرات مختلفة: صناعة الدفاع التركية، والقدرة الإنتاجية العسكرية الباكستانية، وإمكانات الاستثمار القطرية، والبنية الصناعية الواسعة لإندونيسيا. ويُراد إقامة روابط جديدة بين هذه القدرات، لكننا لا نعرف بعد بأي مشاريع ستتحقق هذه الأهداف.

ويشير الكاتب إلى أن خلفية مساعي الأمن الإقليمي تكمن أيضاً في التغيرات في السياسات الأميركية. فواشنطن لعبت لسنوات طويلة دوراً حاسماً في أمن دول الخليج. أما الآن، وخصوصاً في عهد ترمب، فهي تطالب حلفاءها بتحمل مسؤوليات أكبر. ويبرز ظهور تركيا وباكستان في وقت تستمر فيه المشكلات العسكرية السعودية في اليمن من هذا الجانب. ويؤكد أن سعي الولايات المتحدة إلى تقييد التزاماتها العسكرية المباشرة يزيد من أهمية الشراكات الإقليمية، كما سبق أن أكد سابقاً.

ويحتل باكستان موقع التقاطع في الخطوتين الجديدتين. فإسلام آباد تواصل علاقاتها العسكرية التاريخية مع السعودية بينما تزيد تعاونها مع تركيا في صناعة الدفاع. أما الخط الذي يشمل قطر وإندونيسيا فيمكن أن يوسع هامش الحركة الدبلوماسية والاقتصادية لباكستان. غير أن أولويات هذه الدول تجاه إيران والصين والولايات المتحدة والأزمات الإقليمية ليست واحدة. ولذلك يرى الكاتب أنه من المبكر جداً تقييم الصورة الناشئة على أنها كتلة عسكرية تمتلك أهدافاً سياسية مشتركة.

ويضيف أن التحالفات والتعاونات الإقليمية يمكن أن تلعب دوراً في تخفيف حدة التنافس الأميركي-الصيني الجاري، وبالتالي يمكن أن تضطلع بمهمة تقليل التوتر لا زيادته. ومن منظور تركيا، تتعلق هذه الخطوات بوصول صناعة الدفاع إلى أسواق جديدة، وفرص الإنتاج المشترك وتطوير التكنولوجيا. وفي المقابل، تزداد المسؤوليات الأمنية الإقليمية. ويؤكد أن المكاسب الاقتصادية لصناعة الدفاع تختلف عن الالتزامات التي قد تنشأ عن التحالفات العسكرية. فكيف ستدير أنقرة هذين المجالين ضمن أي حدود يكتسب أهمية إلى جانب القدرة الدبلوماسية. ونجاح الاتفاقين سيعتمد في النهاية على قدرة التنفيذ والتطورات في المعادلة العالمية.

ويخلص يلماز إلى أنه مع تغير هندسة الأمن الإقليمي يتسع دور تركيا أيضاً. لكن تقديم ضمان أمني ليس هو نفسه إنتاج تكنولوجيا الدفاع. فالأول يولد مسؤوليات عسكرية وسياسية، بينما يوفر الثاني فرص تعاون اقتصادي وتكنولوجي. ويقول: «في المساعي الجديدة الممتدة من مكة إلى الدوحة، المسألة أمام أنقرة هي إقامة توازن مستدام بين هذين المجالين، وأن تكون فاعلاً مؤثراً في الخطوات التي تمنع الصراعات المحتملة».

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!