
ترك برس
يُعدّ عهد التنظيمات في التاريخ العثماني-التركي نقطة تحول عميقة فُسّرت على أنها تغيير في القبلة الحضارية، ووصفة للخلاص في آن واحد. فقد دشّن هذا التحول تقارباً مكثفاً مع الغرب استمر لاحقاً، وتحول إلى تيار «التغريب» كإجابة سياسية عن سؤال «كيف يُنقذ العثمانيون؟»، وظلت هذه القبلة ثابتة إلى يومنا هذا، حيث تُصوَّر أوروبا والغرب لا كشريك سياسي فحسب، بل كحضارة ننتمي إليها. وبعد الحرب العالمية الثانية ثبتت هذه الخطوط بمبدأ ترومان، وظلت التيار السائد رغم كل النقاشات.
يقول الكاتب التركي تورغاي يرلي كايا في تحليل نشرته صحيفة «يني شفق» إن التنظيمات عملية فُسّرت في سياق التحديث العثماني-التركي على أنها تغيير في القبلة. ومن جهة أخرى أُدركت كوصفة للخلاص، فكانت بداية تقارب مكثف استمر بعد التنظيمات. وتجلى هذا التقارب لاحقاً في شكل التغريب كإجابة سياسية عن سؤال كيف يُنقذ العثمانيون، وقُبلت هذه القبلة ثابتة حتى اليوم.
ورغم النقاشات على مستوى القيم والحضارة، ظلت التأكيدات المتعلقة بالقبلة ثابتة، وتُصوَّر الغرب لا كشريك سياسي فحسب بل كحضارة ننتمي إليها. وثبت هذا الخط بعد الحرب العالمية الثانية بمبدأ ترومان، وقُبل تياراً سائداً حتى يومنا هذا رغم النقاشات المختلفة.
ويضيف يرلي كايا أن علاقات تركيا مع الغرب سارت لفترة طويلة على مستوى غير متماثل، وغالباً ما ظهرت في شكل وصاية. وفي السنوات الأخيرة فُسّر مطلب تركيا تجاوز هذه الوصاية وإقامة علاقة متماثلة مع الغرب على أنه بحث عن الاستقلالية الاستراتيجية، وقد قُطعت مسافة كبيرة في هذا الاتجاه. ويقول: «خصوصاً بزخمها في صناعة الدفاع تمايزت تركيا إيجاباً، وعززت هذه القدرة بدورها كلاعب مغير للقواعد، فأصبحت هذه المكتسبات تركيا فاعلاً مهماً في الدبلوماسية. ومحاولة تركيا إعادة صياغة هذه العلاقة على مستوى متماثل مع الغرب، وإن لم تكن كاملة، واجهت في كثير من الأحيان عوائق».
ويرى الكاتب أن المشكلات التي واجهتها تركيا في عملية العضوية في الاتحاد الأوروبي في الآونة الأخيرة ينبغي قراءتها في هذا الإطار. فقد اكتسبت المناقشة بعداً جديداً مع مفهوم «صُنع في أوروبا»، ثم مع الاتفاق الذي أبرمته تركيا مع ليبيا بشأن مناطق الولاية البحرية. ويقول إن استقبال أوروبا لهذا الاتفاق، الذي أضفى نفساً جديداً على نضال تركيا في شرق المتوسط، بقلق مرتبط بلا شك بعدم الارتياح الذي يثيره مطلب العلاقة المتماثلة. ويضيف أن تفسير رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين للاتفاق على أنه خطر على سيادات دول المنطقة هو أوضح مؤشر ملموس على هذا القلق.
ويتساءل يرلي كايا: هل شعرت فون دير لاين بالمخاوف ذاتها عندما تعلق الأمر بأنشطة الولايات المتحدة في اليونان، أو بالاتفاقيات الدفاعية المشتركة بين فرنسا واليونان رغم كونهما حليفين في الناتو؟ وهل ساورها قلق بشأن عضوية جنوب قبرص في الاتحاد الأوروبي التي سعت إلى عكس الطاقة التي خصصتها تركيا لحل مشكلة قبرص؟ ولماذا يفضل الفاعلون الذين يطورون مسافة تجاه مبادرات مثل مناطق الولاية البحرية، التي يمكن أن تعزز الاستقلالية الاستراتيجية لتركيا، الوقوف مباشرة إلى جانب اليونان عندما يتعلق الأمر بتركيا واليونان، إضافة إلى نقاشات حرية التأشيرة والهجرة وغيرها؟
ويؤكد الكاتب أنه «لا يوجد غرب واحد». فالكيان الذي نصنفه اليوم غرباً بعيد كل البعد عن أن يكون وحدة سياسية واقتصادية قائمة بذاتها. وقد ظهر هذا بوضوح مع حرب روسيا وأوكرانيا، حيث تبين كيف يمكن لأعضاء الوحدة أن ينزلقوا إلى انقسام عندما تتعلق الأمر بمصالحهم الخاصة. ومع تصلب موقف الولايات المتحدة تجاه أوروبا في عهد ترمب، يتضح أيضاً أن الدول فاعلون يتحركون على محور مصالحهم الخاصة أكثر مما يتحركون وفق التحالفات.
ويرى يرلي كايا أن هناك سعياً لتعديل هذا الانقسام داخل الغرب عبر خطاب حضاري، وأن القصة الأساسية تكمن هنا. ويستشهد بكلمة وزير الخارجية الأميركي روبيو في اليونان كمثال أوضح على سياسة التعديل والمراجعة هذه. فبحسب روبيو، إما أن يستمر الغرب في قيادة العالم أو يسلك طريق الانكماش والانحلال والانهيار. وهو يرى أن الغرب عند نقطة تحول ويجب أن يستمر في القيادة العالمية، والحل في إعادة طرح القيم الغربية على الأجندة. وبالنسبة له ليس الغرب وحدة سياسية تمثل قيماً كونية، بل حضارة عريقة تمثل القوة والقيادة.
ويصف الكاتب هذه الكلمة بأنها انعكاس للخطاب الترمبي الكلاسيكي، وتكشف بوضوح كيف ينبغي للغرب أن يبني وحدته الداخلية. فهذا الخط السياسي المحسوس من بيان بالانتير إلى فانس وروبيو يدعو أوروبا اليوم إلى أنه لم يبقَ خيار خارج التموضع عبر الغرب. ويشير إلى أن ردة فعل تركيا تجاه هذا الخطاب الحضاري والمخاوف الصادرة عن أوروبا تظهر أن حساسيتها في هذا الشأن بدأت في مرحلة مبكرة جداً. ويقول: «مع الوعي المبكر الذي خلقه هذا الخطاب الإقصائي الجوهري والحضاري الذي واجهته، ينبغي على تركيا أن تتمسك أكثر بالتعاونات التي تعزز استقلاليتها الاستراتيجية. وكل لحظة وحالة يُحسّ فيها أن شكل العلاقة التي تقيمها تركيا مع كل فرع من فروع الغرب غير متماثل ستكون ضد مصلحة تركيا. وأرى أن تحليل التحالفات والتطورات الأخيرة في هذا السياق سيكون مفيداً».
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











