يوسف قابلان - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

حققت تركيا ثورة في الصناعات الدفاعية، بقيادة سلجوق بيرقدار: فقد نجح سلجوق بيرقدار في إنجاز قفزة كان يمكن أن تتحقق خلال قرنين، وذلك في غضون عشر سنوات!

كما نقوم في السياسة الخارجية بتحركات دبلوماسية قوية: فنحن نُشكّل مصير المنطقة وخرائطها منذ نحو العقد الأخير. لكن أي خرائط؟ الخرائط الجيو-استراتيجية.

فهل نستطيع أيضًا تشكيل الخرائط الثيو-سياسية والجيو-ثقافية؟

للأسف، لا!

إرادة صنع التاريخ: خرائط ثيو-سياسية تُرسَم بالعقيدة

إذا كانت تركيا ستصبح قوة إقليمية ثم مع مرور الوقت قوة عالمية، فإن الطريق إلى ذلك يمر عبر امتلاكها معرفة بالخرائط صانعة للتاريخ ووعيًا بها، بما يمكّنها من تشكيل الخرائط الثيو-سياسية والجيو-ثقافية للمنطقة.

إن مصدر معرفة الخرائط الصانعة للتاريخ ووعيها هو روح وإرادة صنع التاريخ التي يمكن بلوغها حين يكون الجوهر قويًا، وحين تمتلك عقيدة راسخة وثوابت لا تتزعزع تحفظ حريتها.

وللأسف، فإن تركيا فقدت عقيدة أهل السنة وثوابتها، التي تُعد اسم وعنوان إرادة صنع التاريخ، لكنها لا تدرك ذلك حتى.

فالمجتمع الذي يفقد عقيدته يفقد أيضًا إرادة صنع التاريخ، وينجرف كالقش أمام التاريخ الذي يصنعه الآخرون…

الإقصاء من التاريخ دون القدرة على رؤية ذلك!

لديّ تشخيص من ثلاث مراحل يصف تركيا على أفضل وجه؛ تشخيص حارق، ومقلق، وموقظ.

إنه تشخيص يقول: إن أعظم كارثة يمكن أن تصيب مجتمعًا هي ألا يعرف ما الذي أصابه. والأسوأ من ذلك أن لا يعرف حتى أنه لا يعرف. أما الأسوأ على الإطلاق فهو أن يُجعل عاشقًا لجلاده وأن يُحوَّل إلى جرادٍ مقيَّد بسلاسل.

وعند اتخاذ قرار يتعلق بتركيا، أو التفكير في أين وكيف يجب أن تتجه تركيا، إذا لم يؤخذ هذا التشخيص بعين الاعتبار، وإذا لم يُفكَّر فيه بعمق، فعلينا أن نعلم أن النتيجة ستكون فشلًا ذريعًا.

لم تعد هناك تركيا تصنع التاريخ. بل هناك تركيا مُطرَدة من التاريخ، مُقصاة خارجه، تقضي إجازة في التاريخ. ليست ذاتًا بل موضوعًا.

إن طردها من التاريخ، وإقصاءها خارجه، وحكمها بأن تقضي إجازة في التاريخ، لم يكن مجرد كارثة نتجت عن هجمات خارجية مباشرة على تركيا.

بل إن الكارثة الحقيقية هي إغواء الطفيليين في الداخل واستعمالهم من قبل القوى الخارجية. ومنذ عهد التنظيمات ونحن ننجرف في مياه خطرة نحو هذا الاتجاه وذاك، ولهذا السبب.

الإصلاح عبر التنظيمات…

كانت التنظيمات محاولة إصلاح. وكانت في الواقع فرمان إعدامنا. لكننا سمّينا الإصلاح الغربي «إصلاحًا» بمعنى الترميم وترتيب أوضاعنا من جديد.

لكن القصة التي عشناها في الحقيقة لم تتجلَّ على هذا النحو، وكان ذلك حتميًا.

في البداية، انخرطت الدول العظمى، أي القوى الكبرى / العظمى في ذلك العصر، وخاصة إنجلترا، في محاولة «إصلاحنا» من الداخل. فالإصلاح لم يكن أن نستجمع قوانا بأنفسنا وبإرادتنا، بل كان محاولة لتأديبنا عبر السيطرة علينا وإبعادنا عن أنفسنا.

لم يكن الأمر أن نشكّل مصيرنا بأنفسنا، بل كان سلب الإرادة التي تمكّننا من تشكيل مصيرنا بأنفسنا. وبدأ مصيرنا يُشكَّل من قبل الآخرين.

كانت التنظيمات تعني تحديث تركيا، أي «إصلاحها». أي محاولة دنيئة للقضاء على جوهرنا وثقافتنا الأصيلة، وبالتالي روحنا، التي بناها الإسلام على مدى ألف عام بدمٍ وروحٍ متينة.

ثلاثة أنماط لفناء تركيا: الشك، والإنكار، والانتحار

إن «إصلاح» تركيا بمعنى تحديثها بدأ أولًا بالشك في الذات، وفي جوهرها وقيمها. لقد أدت التنظيمات إلى أن نشك في أنفسنا: فقد انفتح الثغر في السور من خلال كارثة الشك في الذات! وهكذا فُتحت الأبواب التي سمحت بالسيطرة على القلعة من الداخل: تم الاستيلاء على العقول: استُسلمت النخبة العثمانية ذهنيًا: وقالت النخب والمثقفون العثمانيون: «لقد هُزمنا، لقد تخلّفنا، لن يخرج منا شيء، فلنكفّ عن أن نكون نحن، ولنصبح نحن عبر التخلّي عن أنفسنا، لنصبح نحن جديدًا، لنبحث عن نحن أخرى، لننظر إلى طريق آخر، ولننطلق في طريق آخر على أنه الطريق».

وهكذا بدأنا نتمسك بطريق لا نعرفه ونقول: «هذا هو الطريق».

وعندما نضجت عملية الشك في الذات، أصبح من الحتمي أن ننكر أنفسنا، وأن نهرب من أنفسنا ونحن نكرهها، وأن نبحث عن حفرة نهرب ونلوذ بها. لقد كانت المشروطيتان شكلًا من أشكال مقاومة هذا «الإصلاح» والبحث عن طرق للمقاومة والبعث من جديد، لكنها كانت في الوقت نفسه رحلة إنكار الذات التي بدأت بالشك في النفس، وما جلبه ذلك حتمًا من الانجراف في الفراغ، والتقاذف في وسط محيط عاصف من هنا إلى هناك؛ رحلة حزينة لفقدان الجوهر، ومع فقدان الجوهر فقدان الحرية، والانزلاق نحو الفناء…

كان الشك في الذات سيتحول حتمًا إلى إنكار الذات، ومع الزمن – بتعبير أحمد حمدي تنبينار – إلى «إنكار ثقافي». وكان الإنكار الثقافي سيتحول إلى انتحار ثقافي…

إن تركيا اليوم بلد يعيش في الوقت نفسه مسارات المقاومة والبعث من جهة، ومسارات الانتحار من جهة أخرى. ويبدو أن مسار الانتحار يتسارع مع بدء اختفاء السوسيولوجيا وتفككها وبدء تعفّنها…

إن المبادرة التي بدأت باسم الإصلاح تتحول بسرعة إلى كارثة الفناء… فمجتمع حمل تاريخ الإسلام ألف عام، نجد أنه بعد قرنين فقط، وبفعل الدول العظمى، وخاصة الإنجليز، الذين تمكنوا من السيطرة على النخب من الداخل، أحيانًا بشرائها وأحيانًا بإغوائها فكريًا، أصبح مجتمعًا ابتعد عن كل ادعاءات الحضارة، وكاد يفقد جوهره وهويته ودوره التاريخي العالمي في توازن الدول، وانحلت سوسيولوجيته، وفقد عالمه، ويعاني عمى معرفيًا وشللًا ذهنيًا إلى حد أنه لا يرى حتى أنه لم يعد يعيش في عالمه، وفقد كل قيمه، ولذلك أخذ يتعفن ويتفكك، ويعيش في أعماقه مشكلات فقدان الحرية الناتجة عن فقدان الجوهر؛ وخلاصة القول إننا نرى مجتمعًا حزينًا اندفع نحو حافة الفناء بسرعة من كل الجوانب.

هذه الصورة مؤلمة لكنها الصورة الحقيقية.

السؤال الحارق هنا هو: هل يمكن لدولةٍ قوية في جبهتها الخارجية لكن جبهتها الداخلية منهارة أن تواصل وجودها؟

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس