
د. دمت إرجيس - ملييت - ترجمة وتحرير ترك برس
نستيقظ صباحًا فنجد أن هواتفنا قد حلّلت جودة نومنا. وخلال اليوم يتم عدّ خطواتنا، وقياس معدل ضربات القلب، بل وحتى محاولة التنبؤ بحالتنا المزاجية عبر الخوارزميات. إن متابعة الصحة، التي كانت في الماضي تُترك فقط لحدس الأطباء وخبرتهم، أصبحت اليوم إلى حد كبير موكلة إلى أنظمة طورتها شركات التكنولوجيا. وتُظهر الاستثمارات الكبيرة التي تقوم بها هذه الشركات في مجال الصحة مدى سرعة وعمق هذا التحول.
فهل نصبح حقًا أكثر صحة؟
تعد الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بإحداث ربما أكبر قفزة في تاريخ البشرية في مجال التشخيص المبكر للأمراض. فالكشف المبكر عن السرطان، والتنبؤ بالنوبات القلبية، أو تحليل المخاطر الجينية لم تعد أمورًا من الخيال العلمي. لكن هنا يبرز سؤال حاسم: عندما نختزل الصحة إلى مجموعة من البيانات القابلة للقياس، ألا نكون بذلك قد اختزلنا الإنسان نفسه؟
لأن الصحة ليست مجرد أرقام. فحالة الرفاه لدى الإنسان هي منظومة متكاملة تشمل قدرته على التعامل مع التوتر، وعلاقاته الاجتماعية، وشعوره بالوحدة، وآماله ومخاوفه. ومع ذلك، لا تستطيع الخوارزميات حتى الآن قراءة القلق في عيني المريض، أو الهشاشة في نبرة صوته، أو حالة “أنا لست بخير لكن لا أستطيع التعبير” بشكل كامل.
والأهم من ذلك، هل تعمل هذه التقنيات فعلاً على شفائنا، أم أنها تجعلنا أفرادًا بحاجة دائمة إلى التحسن؟ إن معرفة عدد خطواتنا يوميًا، ومراقبة معدل ضربات القلب بشكل مستمر، وتقييم جودة نومنا… كل ذلك قد يتحول مع الوقت من وسيلة لتعزيز الصحة إلى نوع من الضغط غير المرئي. وقد يصبح الإنسان، دون أن يدرك، حارسًا على جسده. وهناك قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي مسألة الثقة. فبياناتنا الصحية ربما تكون من أكثر المعلومات خصوصية لدينا. ومع ذلك، لا تزال الأسئلة المتعلقة بمن يمتلك هذه البيانات، وكيف تُستخدم، ومدى حمايتها، بلا إجابات واضحة. ومع تسارع التطور التكنولوجي، فإن عدم مواكبة النقاشات الأخلاقية لهذا التطور قد يشكل أحد أكبر مخاطر المستقبل. لكن كل هذه الانتقادات لا تعني أنه يجب علينا رفض الذكاء الاصطناعي. بل على العكس، يمكن لهذه التقنيات، إذا استُخدمت بشكل صحيح، أن تجعل خدمات الرعاية الصحية أكثر سهولة وسرعة وفعالية. وربما تكمن القضية الأساسية في تحقيق التوازن: الاستفادة من التسهيلات التي تقدمها التكنولوجيا، دون أن ننسى تعقيد كوننا بشرًا.
في النهاية، الصحة ليست مجرد غياب المرض، بل هي شعور الإنسان بالعافية. وربما يكون السؤال الأهم هو: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمنحنا حياة أطول، لكن هل يستطيع أن يمنحنا حياة أفضل؟
الإجابة لا تزال بأيدينا…
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











