
نور أوزكان إرباي - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
بينما تمرّ شهران على الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، بات العالم بأسره يرى أن واشنطن تعرضت لهزيمة كبرى على الصعيدين العسكري والسياسي. أما الرئيس الأمريكي ترامب، الذي يبدو من تاريخه اللامع في عالم الأعمال أنه اعتاد على الانتصار ولا يحب الخسارة إطلاقًا، فمن الصعب عليه أن يستوعب هذه الهزيمة بسهولة. ومن هذه المرحلة فصاعدًا، إما أن يصبح أكثر تشددًا، أو أن يجد مخرجًا يعوّض هذه الهزيمة أو يزيلها إن كان ذلك لا يزال ممكنًا. ورغم أن الوقت قد يبدو متأخرًا لمثل هذه الخيارات، فإن ترامب قد يطرح مثل هذا السيناريو أمام الرأي العام الأمريكي والعالمي مصحوبًا بـ«سردية انتصار». لكن من الواضح أيضًا أن الأوساط التي يستشيرها — ولا سيما أن الغالبية الساحقة منها واقعة تحت تأثير جماعات الضغط ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الممولة من إسرائيل — لن تستهدف في أي سيناريو للخروج حلًا واقعيًا أو تسوية أو سلامًا. ونتيجة لذلك، فإن ترامب لا يلجأ، في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية، إلا إلى خطوات مؤقتة ومحدودة لا تتجاوز كونها تضميدًا للأزمة العالمية الراهنة.
في المقابل، فإن الخسارة الكبيرة التي لحقت بمظلة الأمن الأمريكية على المستوى العالمي، والتكاليف الاقتصادية التي فرضتها الحرب على العالم بأسره، والانتخابات النصفية التي ستُجرى بعد ستة أشهر، كلها عوامل تضغط بقوة على ترامب من حيث التوقيت. كما أن الولايات المتحدة دخلت بالفعل مرحلة أكثر سخونة وصدامًا في سياستها الداخلية. ورغم أن هناك قبولًا عامًا بأن السياسة الخارجية ليست العامل الحاسم الرئيسي في الخيارات السياسية لدى الرأي العام الأمريكي، فإن التاريخ السياسي الحديث للبلاد يكذّب ذلك. فالأمريكيون الذين سئموا «الحروب التي لا تنتهي» منذ الحرب العالمية الثانية، بدأوا بالفعل يدفعون الكلفة الاقتصادية للحرب مع إيران، التي يعتقدون أنها تُخاض بالوكالة عن إسرائيل. ففي الولايات المتحدة، تضاعفت أسعار البنزين منذ الثامن والعشرين من شباط، كما ارتفع تضخم المواد الغذائية إلى مستويات ملموسة. أما استطلاعات الرأي التي لا تعجب ترامب ويصفها بالكاذبة، فهي تؤكد أيضًا حالة السخط الشعبي. وبعد تعرضه لمحاولة اغتيال جديدة الأسبوع الماضي، وصل الدعم الشعبي لترامب إلى أدنى مستوياته بما في ذلك فترته الرئاسية الأولى. ووفقًا لاستطلاع «واشنطن بوست» و«إيه بي سي نيوز» و«إيبسوس»، فإن 37 بالمئة فقط من الأمريكيين يوافقون على أدائه في المنصب، بينما بلغ معدل عدم الرضا 62 بالمئة، وهو مستوى قياسي جديد. كما أن 76 بالمئة من المشاركين لا يوافقون على إدارة ترامب للاقتصاد، و72 بالمئة يرفضون طريقة تعامله مع التضخم، و66 بالمئة يعارضون الحرب مع إيران ويصفونها بأنها «خطأ».
وبات يُتداول علنًا في الكواليس أن قسمًا لا يُستهان به من الجمهوريين الذين أعادوا انتخاب ترامب بوصفه «الرئيس الذي ينهي الحروب» فقدوا حماسهم للانتخابات التي ستُجرى في تشرين الثاني، وقد يسحبون دعمهم. كما تُطرح تفسيرات تقول إن نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يراه الجمهوريون أقوى مرشح لمرحلة ما بعد ترامب، قد جرى استنزافه سياسيًا في حرب إيران وإبعاده عن السباق منذ الآن.
وفي خضم هذا التوتر والاختناق، سيجري ترامب الأسبوع المقبل زيارة إلى الصين، التي يراها منافسه الاستراتيجي الوحيد في العالم. ورغم أنه سيطلب من الصين ممارسة الضغط على إيران للخروج من مأزق إيران، فإن تحقق ذلك لا يبدو ممكنًا كثيرًا. فالصين، بالنظر إلى التكاليف الجديدة التي دفعتها في منافستها مع الولايات المتحدة وإلى مخاطرها الوطنية، وإن كانت ترغب في الخروج من هذه الأزمة، إلا أن احتمال أن تستجيب إيران لنصائح بكين في هذه الحرب يبدو ضعيفًا. ذلك أنه، تمامًا كما هو الحال بالنسبة لإسرائيل، فإن استمرار الصراع والوضع القائم بات بالنسبة لإيران خيارًا يعزز موقفها أكثر. فمن جهة هناك إيران «التي رُفضت مقترحات السلام ووقف إطلاق النار المقدمة لها على الطاولة» و«التي تدافع عن نفسها في مواجهة الهجمات الأمريكية الإسرائيلية»، ومن جهة أخرى هناك مشهد الولايات المتحدة وإسرائيل «اللذين شلّا تدفق الطاقة والاقتصاد والتجارة في العالم» و«يواصلان الهجوم». واستمرار هذا المشهد يبدو بالنسبة إلى طهران خيارًا أقل سوءًا.
أما التناقض الآخر الذي برز في المرحلة الراهنة، فهو الأثر الاجتماعي الذي أحدثته الحرب لدى الشعبين الإيراني والأمريكي. ففي حين أدت الحرب إلى توحيد الشعب الإيراني حول النظام، فإنها في الولايات المتحدة تسببت في مزيد من الانقسام داخل الرأي العام والمعسكرات السياسية. وفي ضوء كل هذه المعطيات، فإن عدم تمكن ترامب من تحقيق أي من الأهداف التي أعلنها عند بدء الحرب مع إيران في السابع والعشرين من شباط، إضافة إلى بدء نفاد «البرغل الموجود في البيت»، قد يدفعه إلى خطوات أكثر عدوانية واستفزازًا. لكن استمرار الحرب سيؤدي حتمًا إلى خسائر أكبر. أما بالنسبة إلى إيران، فإن كون هذه الحرب منذ بدايتها حرب وجود أو عدم وجود، يمنحها بصورة مفارقة مرونة نفسية وأفضلية. وإذا ردّت إيران على موجة جديدة من الهجمات الأمريكية، فإن التكاليف الاقتصادية على المستوى الدولي ستتضاعف. ولهذا السبب يريد ترامب رفع حصار هرمز في أسرع وقت ممكن. أما السياسة الأمريكية تجاه إيران، التي تشكلها جماعات الضغط الإسرائيلية والتي بُنيت أصلًا على عدم إبقاء أي خيار للتسوية أو السلام مطروحًا على الطاولة، فهي تواجه هزيمة هائلة وكلفة ضخمة. أما قبول الهزيمة واعتبار تقليل الخسائر مكسبًا، فيبقى في النهاية بيد ترامب نفسه.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس












