يحيى بستان - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

قال وزير الخارجية الأمريكي روبيو بوضوح: «لقد حققنا الأهداف. انتهت عملية الغضب الملحمي». إنه تصريح كبير مرّ دون أن يلفت الانتباه. لقد أفلت من لسانه أن الحرب الأمريكية/الإسرائيلية ـ الإيرانية قد انتهت. ثم أضاف روبيو في الجملة التالية: «الآن بدأنا عملية الحرية. علينا أن نفعل شيئًا لفتح ممر في هرمز». وكان يشير إلى التحرك الجديد للرئيس الأمريكي ترامب في هرمز. فبينما كان ترامب يمسك بخناق إيران في هرمز، كان يسعى إلى كسر حصار طهران. لكن بعد ثلاث ساعات فقط من تصريح روبيو، أعلن الرئيس الأمريكي أيضًا تعليق هذه العملية. إنها انعطافة حادة للغاية. فما الذي يقف خلفها؟ وماذا يعني «تصدّر أسلوب إسطنبول للمشهد»؟ سأركز على الإجابة عن هذين السؤالين.

أتابع الحرب بعناية منذ بدايتها. وأحاول الوصول إلى تحليل من خلال المعلومات المفتوحة والأحاديث الدائرة في الكواليس. وفي المرحلة الحالية، تسير التطورات على خطين رئيسيين. فمن جهة هناك طاولة المفاوضات… أي إن الدبلوماسية ما زالت تعمل. ومن جهة أخرى هناك الميدان. فالولايات المتحدة تُبقي عنصر الصدام قائمًا لتعزيز موقعها على طاولة التفاوض. العملية ديناميكية. والبوصلة تتأرجح بين المفاوضات والتوتر العسكري.

المناورة الإسرائيلية الجوية لم تمرّ دون ملاحظة

كنت قد قلت في المقال السابق: «المعلومات القادمة من طاولة المفاوضات ليست مبشرة كثيرًا» (5 مايو). وكان السبب أن الولايات المتحدة كانت تستعد لتحرك يجبر إيران على الجلوس إلى الطاولة بالقوة. ترامب يواجه ضغطًا زمنيًا. فمع اقتراب الانتخابات، يريد إنهاء التوتر الذي يؤثر مباشرة على جيب الناخب الأمريكي بأسرع ما يمكن — بل وحتى قبل زيارته إلى الصين. (وهناك ضغط مشابه على إيران أيضًا. فبسبب إغلاق هرمز وعدم قدرة إيران على تصدير النفط، تكاد خزاناتها تمتلئ بالكامل). ولهذا أعلن «عملية الحرية». وهناك معلومة أخرى لم تنعكس في الإعلام: إسرائيل بدأت بمناورات جوية بعشرات الطائرات في أجواء بعض دول المنطقة. وقد شاهدنا مناورات مشابهة قبل الهجمات العسكرية واسعة النطاق التي استهدفت إيران.

إنذار من ولي العهد وتحذير من دول المنطقة

لو نجح ترامب في ذلك، لكان قد ضيّق الخناق على إيران إلى أقصى حد ممكن. لكنه تراجع بعد فترة قصيرة عن هذه الخطوة (إذ إن قدرة ترامب على الردع تضعف تدريجيًا). والتقرير اللافت الذي نشرته «إن بي سي» يكشف السبب الرئيسي لهذه الانعطافة الحادة. فبحسب التقرير، لم يُطلع ترامب دول الخليج على الأمر. وقالت السعودية للولايات المتحدة: «لا يمكنك استخدام قواعدي، ولا يمكنك التحليق في أجوائي». وحتى حديث ترامب مع ولي العهد سلمان لم يحل المشكلة. كما أُشير إلى أن دول المنطقة التي تسعى إلى حل الأزمة أبلغت الولايات المتحدة برسالة مفادها: «هذا القرار قد يخرج الأزمة عن السيطرة».

أين توقفت المفاوضات؟

وبما أننا عدنا إلى طاولة المفاوضات مجددًا، يمكننا إعادة النظر فيما كان يُناقش بين الأطراف. لقد قرأتم في هذا العمود سابقًا أين توقفت المفاوضات (انظر: التفاصيل المسربة من مسودة الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني، 21 أبريل). ولأوجز الأمر باختصار:

أولًا: كان التوافق في القضايا النووية قد وصل تقريبًا إلى 80 بالمئة.

ثانيًا: تم الاتفاق على إرسال 460 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة الذي تمتلكه إيران إلى دولة ثالثة.

ثالثًا: كانت الولايات المتحدة تقترح فترة 20 عامًا قبل أن تعود إيران إلى التخصيب، بينما كانت إيران تقترح 5 سنوات.

وكان معروفًا أيضًا أن طهران قالت ما يلي: «منشآتنا النووية تعرضت لأضرار. وربما حتى لو أردنا اليوم، فلن نتمكن من استئناف أنشطة التخصيب قبل عشر سنوات». ولهذا كانت طهران تقول: «يمكننا استئناف أعمالنا عندما تمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية موافقتها». وكانت الخيارات المطروحة في هذا الشأن تدور حول 10 أو 12 أو 15 عامًا.

التطورات الجديدة على طاولة المفاوضات

لقد أثرت «فترة التوتر المؤقت» التي شهدها الأسبوعان الأخيران على العناوين المطروحة.

أولًا: مسألة فتح هرمز. كانت الولايات المتحدة تقول إنها ستُبقي هرمز مغلقًا كوسيلة ضغط حتى توقيع الاتفاق النهائي. أما إيران فكانت تشترط فتح هرمز، كما تريد تغييرًا في الوضع القائم يتيح لها تحقيق دخل من هرمز. ومع استمرار المفاوضات، ومع تزايد الثقة، بدأ يبرز حل وسط يتمثل في فتح هرمز تدريجيًا — من دون تغيير وضعه القائم.

ثانيًا: «أسلوب إسطنبول» الذي شددت عليه في العنوان. ففي المراحل الأولى للأزمة، برزت إسطنبول كأرضية للتفاوض. وقد طرحت الدبلوماسية التركية اقتراحًا يقول: «لتتحدث الولايات المتحدة وإيران بشأن الملف النووي، ونحن كدول إقليمية لنتحدث بشأن القضايا الأخرى التي تهم المنطقة». وقد قبل الوفدان الأمريكي والإيراني هذا الاقتراح. لكن خيار إسطنبول اصطدم بالمرشد الأعلى — الأب — خامنئي. فنُقلت المفاوضات الأمريكية ـ الإيرانية إلى عُمان.

إن «أسلوب إسطنبول» هو منهجية تفاوضية. وهذه المنهجية تعطي الأولوية لحل المشكلات الإقليمية من قبل دول المنطقة نفسها. وكانت إيران قبل الحرب بعيدة عن هذا المنظور. لكن لاحقًا ظهرت بعض المؤشرات الإيجابية (انظر: عقل الدولة يعمل على هندسة جديدة لمرحلة ما بعد الحرب، 27 مارس). ويُفهم من آخر مقترح أرسلته إيران إلى الولايات المتحدة في المفاوضات الحالية أنه يتضمن تأكيدًا على «حل المشكلات الإقليمية مع دول المنطقة». وهذا أمر يدعو إلى التفاؤل.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس