عبد الله مراد أوغلو / 17/05/2026 - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

قال الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بكين، جملة تتعلق بالعلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة والصين مفادها: «هل تستطيع الصين والولايات المتحدة تجاوز ما يسمى بـ"فخ ثوسيديديس" وتأسيس نموذج جديد لعلاقات القوى الكبرى؟».

كان الجنرال الأثيني ثوسيديديس الراوي المباشر لحروب الهيمنة التي استمرت 27 عاما بين أثينا وإسبرطة (الحروب البيلوبونيسية) ما بين عامي 431 و404 قبل الميلاد. ويُعد ثوسيديديس، في مجال العلاقات الدولية، الأب المؤسس لمدرسة «الواقعية». ووفقا له، فإن السبب الحقيقي للحروب البيلوبونيسية كان الخوف الذي أثاره صعود أثينا في نفوس الإسبرطيين.

ففي العالم اليوناني القديم، المؤلف من مئات دول المدن، كانت إسبرطة قوة برية مهيمنة، وقد رأت في صعود أثينا كإمبراطورية بحرية تهديدا من شأنه تغيير الوضع القائم. ويستخدم بعض المؤرخين الأمريكيين هذه الثنائية التنافسية كمقياس لفهم التنافس بين «بروسيا وبريطانيا»، ثم «الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي»، وأخيرا بين الولايات المتحدة والصين.

أما أول من طرح مفهوم «فخ ثوسيديديس» فهو أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد، البروفيسور غراهام أليسون. فقد انطلق أليسون من جملة واحدة لثوسيديديس ليحوّل التنافس بين القوى المهيمنة أو ما يسمى بـ«انتقالات القوة» إلى نظرية أطلق عليها «فخ ثوسيديديس». ومن الأسباب التي تجعل أليسون شخصية جديرة بالاهتمام أنه عمل مستشارا للعديد من الرؤساء الأمريكيين ووزراء الدفاع في قضايا «السياسات الدفاعية».

أثار أليسون موضوع «فخ ثوسيديديس» عام 2012 من خلال مقال نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» بعنوان: «فخ ثوسيديديس يدخل حيز التنفيذ في المحيط الهادئ / غراهام أليسون يقول إن الصين وأمريكا هما أثينا وإسبرطة العصر الحديث». وفي كتابه الصادر عام 2017 بعنوان: «المصير المتجه نحو الحرب: هل تستطيع أمريكا والصين الإفلات من فخ ثوسيديديس؟»، يروي أليسون أن 12 حالة من أصل 16 حالة شهدها العالم خلال الـ500 عام الماضية انتهت بالحرب.

أما علماء السياسة الصينيون فيشيرون إلى هذا الفخ بوصفه «فخ ثوسيديديس المزعوم». ويرى أليسون أن الصعود السريع للصين يخلق الظروف البنيوية التي قد تؤدي إلى حرب صينية-أمريكية. في المقابل، يجادل بعض علماء السياسة الأمريكيين بأن أليسون وفر للحزب الشيوعي الصيني حجة قوية في مواجهة الولايات المتحدة. ووفقا لهؤلاء، فإن نظرية الفخ تساعد في تصوير الولايات المتحدة كقوة شريرة تسعى إلى وقف الصعود الاقتصادي للصين.

في الواقع، لا يدّعي أليسون أن «فخ ثوسيديديس» يجعل الحرب حتمية في كل الأحوال. بل يحذر من أنه إذا لم يقدم القادة الصينيون والأمريكيون أداء أفضل من أسلافهم في اليونان القديمة أو أوروبا مطلع القرن العشرين، فإنهم سيُذكرون بوصفهم المسؤولين عن حرب مدمرة ألحقت الخراب بالبلدين.

وكان شي جين بينغ قد تحدث عن «فخ ثوسيديديس» في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 خلال مؤتمر بعنوان «فهم الصين» نظمه «مجلس القرن الحادي والعشرين» التابع لمعهد «بيرغروين» العالمي، ومقره لوس أنجلوس، في بكين. وأشار جين بينغ، مستحضرا إسبرطة وأثينا، إلى أنه «يجب علينا جميعا أن نعمل معا لتجنب فخ ثوسيديديس، وهو الفخ الذي يتمثل في التوترات المدمرة التي تنشأ بين قوة صاعدة وقوى راسخة، أو بين القوى الراسخة نفسها».

وفي سبتمبر/أيلول 2015، وخلال زيارته إلى الولايات المتحدة، قال جين بينغ في اجتماع مع رجال أعمال بمدينة سياتل إن أولوية السياسة الخارجية الصينية تتمثل في بناء نموذج جديد للعلاقات بين الدول الكبرى يقوم على الاحترام المتبادل والتعاون القائم على مبدأ «الربح المتبادل»، وأضاف:

«يجب أن نستند في أحكامنا إلى الحقائق بالتأكيد، حتى لا نقع ضحية الشائعات أو جنون الارتياب أو الأحكام المسبقة التي نفرضها على أنفسنا. لا يوجد في العالم شيء اسمه فخ ثوسيديديس المزعوم. لكن إذا كررت الدول الكبرى أخطاء الحسابات الاستراتيجية مرارا وتكرارا، فإنها قد تخلق لنفسها مثل هذه الفخاخ».

وفي مارس/آذار 2024، التقى غراهام أليسون أيضا مع شي جين بينغ في بكين. وفي تلك الفترة، جرى في «مركز الصين والعولمة» (CCG) في بكين نقاش حول كتاب بعنوان: «الإفلات من فخ ثوسيديديس: حوار مع غراهام أليسون حول العلاقات الصينية-الأمريكية»، وهو الكتاب الذي نشره رئيس المركز الدكتور هنري هوي ياو وانغ. وخلال هذه الفعالية، ناقش أليسون ووانغ ما الذي ينبغي على الولايات المتحدة والصين فعله لتجاوز «فخ ثوسيديديس».

وبحسب التصريح الذي أوردناه في بداية المقال، يبدو أن شي جين بينغ أكثر رغبة في تجاوز هذا الفخ. لكن الولايات المتحدة لا تختزل في ترامب وحده. فالصقور المناهضون للصين داخل الحزبين الأمريكيين يبدون مصرّين إلى حد كبير على ضرورة اتباع سياسات أكثر تشددا تجاه الصين.

 

عن الكاتب

عبد الله مراد أوغلو

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس