
سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس
تُعدّ العلاقة بين الظروف الجغرافية والسياسة موضوعًا يحظى باهتمام تاريخ الفكر. ويُعدّ ابن خلدون، بلا شك، أول من أقام هذه الروابط بشكل مباشر ونظّر لها. ومن بعده، اتبع مونتسكيو وغيرهما الطريق نفسه وطرحوا أطروحات لافتة للغاية. وعند النظر إلى هذه المسألة من زاوية كهذه دون الوقوع في الاختزالية، يصبح من الممكن وضع السياسة ضمن سياق محدد.
في العالم القديم، نعلم أن الأساس المادي الحاسم كان يتمثل في التقاء الماء بالأرض. وهذا يؤدي، بطبيعة الحال، دورًا حيويًا في الزراعة أولًا. لكن الأساس هنا هو المياه العذبة الجارية التي تبثّ الخصوبة. إن التحكم في هذه المياه الجارية كان العامل الحاسم في السياسة. أما المياه المالحة، أي البحار، فقد اكتسبت أهمية أكبر في النقل، وفي إيصال المنتجات الزراعية والحرفية من مكان إلى آخر.
وبالتالي يمكننا القول إن ما كان حيويًا بالدرجة الأولى في العالم القديم هو المياه العذبة الجارية، بينما تأتي المياه المالحة في المرتبة الثانية. ولهذا السبب، كانت النظم السياسية الكبرى، وعلى رأسها روما، ذات طابع قاري بري أكثر. أما الأنظمة الصغيرة، كما في الفينيقيين واليونان القديمة، فقد تميزت بضعف سياسي وعدم استقرار، لكنها كانت قوية تجاريًا. وقد أدى ذلك إلى أفولها بسرعة، كلهب يشتعل ثم ينطفئ. ومع مرور الزمن، غلبت الحاجة إلى نظام كبير (إمبريوم). وهنا يظهر الفرق بين روما والحضارة اليونانية.
ومن المفيد التوقف قليلًا عند هشاشة الإمبريوم. فمفارقة الفتوحات، أي أن النمو في مرحلة معينة يُقيد بسبب ظروف البيئة المحيطة، وميزان الربح والخسارة، وإخضاع التجارة والإنتاج لرقابة سياسية صارمة، كل ذلك يخلق هشاشة بنيوية.
في العالم القديم، كان دور الجيوش البرية ثانويًا مقارنة بالجيوش البحرية. إذ كانت الفتوحات تتم غالبًا عبر الجيوش البرية، بينما كانت الأساطيل تؤدي وظيفة الحماية وضمان تدفق التجارة داخل مناطق السيطرة. وقد لعبت الأساطيل العثمانية والرومانية دورًا ثانويًا مقارنة بقدراتها العسكرية البرية.
لقد قلب العالم الحديث هذه المعادلات رأسًا على عقب. فقد أدى تحويل الزراعة إلى قطاع رأسمالي عبر التقنيات المتقدمة إلى زيادة الإنتاجية، وأدى إلى ارتفاع قيمة الإنتاج في المستعمرات. ويمكننا اعتبار الاستعمار امتدادًا للفتح، مع ضرورة عدم إغفال الفارق النوعي بينهما.
ومن الفوارق الأخرى ارتفاع أهمية البحار المالحة. فالتحولات التي عُرفت بالثورة الأطلسية، والتي غيّرت بعمق البنى والأنظمة في العالم القديم، كانت أساسًا ثورة عبر البحار. ولا ينبغي أن ننسى أن العولمة ليست ظاهرة حديثة، بل هي خاصية كامنة في الرأسمالية ذاتها.
وقد أدى توسع الرأسمالية التجارية والصناعية إلى بروز دور أكبر للأساطيل في البنية العسكرية. إذ أصبح كل شيء يعتمد على السيطرة على مصادر المواد الخام وأسواق العالم.
ومع الرأسمالية الصناعية تغيّر الأمر مرة أخرى بشكل جذري. فالدول التي اكتملت لديها عملية تراكم رأس المال بدأت بإنتاج ما كانت تنتجه في المستعمرات داخل أراضيها. وأصبحت الموارد في المستعمرات لا تُعد فقط سلعًا للأسواق، بل تحولت إلى مواد خام لصناعاتها.
لقد أصبحوا هم من ينتجون، فيما أصبح على بقية العالم أن يستهلك. ومن هنا ينبع ما يُعرف بتوسع رأس المال. وهكذا دخل العالم مرحلة جديدة، وأصبح التبادل التجاري يعمل بطريقة مختلفة. وهنا يظهر الفرق بين الاستعمار والإمبريالية، وهو في الوقت نفسه الفرق بين الرأسمالية التجارية/الزراعية والرأسمالية الصناعية.
وقد بلغت أهمية البحار المالحة ذروتها في العالم الحديث. ويكمن مفتاح الهيمنة العالمية لدول مثل المملكة المتحدة وهولندا، التي سيطرت على البحار، في هذا العامل. فعلى سبيل المثال، ورغم أن فرنسا النابليونية بلغت ذروة قوتها البرية في تنافسها مع المملكة المتحدة، إلا أنها خسرت (معركة طرفالغار).
كما واجهت ألمانيا المصير ذاته. فعلى الرغم من تفوقها على المملكة المتحدة في الثورة الصناعية الثانية، إلا أنها بقيت محاصرة في إطار قاري ضيق، ولم تستطع استثمار هذا التفوق. وقد تجسد التحديث الألماني في شكل تراكم رأسمالي قاري خاضع لسيطرة نبلاء الأراضي.
وقد نجحت المملكة المتحدة، رغم دفعها ثمنًا باهظًا، في كسر هذين الخصمين. وكان أعظم إنجازاتها الدبلوماسية والاستخباراتية هو تفكيك تقارب هتلر وستالين وجذب روسيا إلى صفها. لكن في النهاية دفعت ثمنًا كبيرًا، لدرجة أن المملكة المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية كانت منهكة بشدة.
وحينها، وبحسابات أنها لن تتمكن من مواجهة مشكلة روسيا وألمانيا وحدها مرة أخرى، قبلت، وإن على مضض، بالهيمنة الأمريكية.
وغالبًا ما يُغفل هذا الجانب، لكن المشكلة الأساسية للمملكة المتحدة كانت روسيا الإمبراطورية التي تمددت داخل آسيا وهددت بشكل مباشر مناطق نفوذها. وهنا تشكّل ما يُعرف بـ”اللعبة الكبرى”.
نعم، أكثر ما أرهق المملكة المتحدة كان روسيا بتمدّدها القاري داخل آسيا وتهديدها المباشر لقلوب إمبراطوريتها. لكن كان هناك جانب ثانٍ، وهو محاولة روسيا التقدم نحو البحر الأبيض المتوسط عبر ممتلكات الدولة العثمانية.
وقد تحددت سياسة المملكة المتحدة في البحر الأبيض المتوسط عبر هدفين: إبعاد روسيا، وفي درجة ثانية فرنسا، عن المتوسط. وهذه التهديدات ما تزال مستمرة بشكل أو بآخر حتى اليوم.
وينبغي البحث عن جذور العداء البريطاني لروسيا في هذا السياق. فالخط الأحمر لدى المملكة المتحدة هو رفض أي تقارب بين ألمانيا وروسيا بشكل قاطع. وفي المرتبة الثانية يأتي السعي إلى تخريب العلاقات بين روسيا والهند وروسيا والصين.
وقد نجحوا في الأولى. أما الآن فالدور على الثانية. وبطبيعة الحال، ينتقل الصراع إلى مناطق البحر الأبيض المتوسط والقوقاز وبحر قزوين وآسيا الوسطى.
كل شيء يُفعل من أجل استمرار السيطرة على البحار. ولا يزال الأطلسي تحت سيطرة هذا الثنائي. لا روسيا ولا الصين قادرتان على كسر هذه الهيمنة. لكن ساحات الصراع تتغير.
نرى أن أول ساحة اشتباك هي بحر البلطيق، حيث دخلت المملكة المتحدة وروسيا في صراع حاد. وفي البداية عمل تحالف الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي معًا هناك، لكن الولايات المتحدة باتت اليوم أقل حضورًا في هذا الثلاثي.
وتحوّل ثقلها نحو البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وخليج البصرة.
سنواصل إن شاء الله…
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













