سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس

أحدث الاتفاق الذي وقعه يوم الجمعة الماضي في مكة قادة تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية صدى كبيراً في العالم وداخل البلاد. ونحن نشهد في الشرق الأوسط، وبصورة قلّما شهدنا لها مثيلاً بعد انتهاء الحرب الباردة، مبادرة تتولاها عناصر محلية من دون أن تكون القوى الكبرى، بهذه الصورة أو تلك، منخرطة فيها «بشكل مباشر». ومن هذه الناحية وحدها، يمكننا أن نعبر بسهولة عن مدى أهمية هذه الخطوة التي تم اتخاذها. وبالطبع، لا يقتصر الأمر على هذا كله.

أود أن أبدأ بالإشارة إلى أن التقييم الشامل لردود الفعل على الاتفاق يكشف عن وضع غريب ومقلق. وبالنظر بصورة عامة، نجد أن بعض المنابر تقدم تقييماً إيجابياً، مدعية أن هذا الاتفاق فتح منفذاً بديلاً عن حالة الانسداد التي أفرزتها الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وأنه سيُفشل السيناريوهات الطموحة والدموية التي لا يمكن كبح جماحها في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها إسرائيل. وفي المقابل، تقدم منابر أخرى مناقضة تقييماً سلبياً، تلفت فيه إلى أن الاتفاق موجّه من إسرائيل والولايات المتحدة، وأنه يستهدف إيران بصورة غير مباشرة، وأنه يمثل استعداداً لحرب سنية-شيعية ستصب في مصلحة إسرائيل. وعند النظر إلى الأمر، يمكننا القول إن هذه التقييمات المتناقضة هي وظيفة للمشارب السياسية التي يحملها أصحابها، وإن ما يُطرح بعيد كل البعد عن الهدوء والاتزان.

إن مشاعرنا هي أول ما يستجيب للأحداث. وهذا صحيح بالنسبة إلى الجميع. ويمكنني أن أشير أيضاً إلى أن هناك لذة خاصة في عيش الحياة بالمشاعر، وأن الاستمرار في ذلك إلى أقصى حد في بعض المجالات مفيد وضروري للغاية. (فقد انفصلت يوم السبت عن هموم العالم وأنا أتفحص أعمال الخط والمقتنيات، ولا سيما قطع المسابح، التي تتألف منها مجموعات صديقي محمد تشيبي، وعشت تجربة فريدة وممتعة). وفي رأيي، ينبغي أن تبقى الروابط التي نقيمها، مثلاً، مع الفنون والرياضة حسية إلى أقصى حد. وأعتقد أن ذلك مفيد جداً للتخفف إلى حد ما من أعباء الحياة. والأصح أن نستسلم حتى النهاية للمشاعر التي توقظها فينا لوحة أو قصيدة. وعلى غرار ذلك، أين نجد لذة التعاطف الوجداني مع النادي الرياضي الذي نشجعه، والابتهاج بانتصاراته، والتحسر على إخفاقاته؟ ولا شك أن ممارسة الفلسفة النقدية للفنون، والتأمل في الجمال، لهما أهمية وفائدة خاصتان بهما. لكن انطباعي ممن يمارسون النقد هو أن هؤلاء، كلما أتقنوا مهنتهم، يظهر لديهم نوع من تبلد المشاعر. وفي الموسيقى، وهي فن قريب مني، صادفت أصدقاء يتمتعون بقدرة نقدية قوية وثمينة، اعترفوا لي مع مرور الوقت بأن ذائقتهم الموسيقية قد تعرضت للتآكل. وعلى غرار ذلك، ينبغي أن ندرك أيضاً أن التدريب كمدير فني، كلما أُتقن وأُعطي حقه، يؤدي إلى تراجع متعة الرياضة. وهذا فرق درامي بين المشجع في المدرجات والمدير الفني على مقاعد البدلاء.

لكن عندما نخرج من المجالات الخاصة، كالفن، وننتقل إلى مجالات أكثر حيوية، مثل القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن الوضع يتغير. وبالطبع، تحتل المشاعر هنا مكانة مؤثرة جداً. لكن تحويل هذه الروابط إلى قناعات متصلبة قد يؤدي إلى نتائج بالغة الإشكالية. فالتصرف من خلال ارتباطات جامدة يولد العمى بعد فترة. والمسألة تتعلق بمدى قدرتنا على الابتعاد عن التبسيطات والأخطاء التي تدفعنا إليها مشاعرنا. لا أقول إن علينا سحق الأحكام التي تولدها مشاعرنا والقضاء عليها. ما أقترحه هنا هو تأديبها، والاحتفاظ بها كرصيد احتياطي، وإفساح المجال لها في عقولنا التي تعمل بهدوء واتزان. ليس المقصود هنا القضاء على الانطباعات التي اكتسبناها من مشاعرنا، بل على العكس، أتحدث عن معالجتها وتحويلها إلى أدوات نقدية وإدخالها إلى دائرة العقل.

وهذه بالضبط هي المهمة الملقاة على عاتق الصحفيين والأكاديميين. لكن للأسف، نشهد في الآونة الأخيرة تقصيراً كبيراً في هذه المهمة والمسؤولية. فالصحفيون والأكاديميون الذين يفكرون من خلال ارتباطات جامدة لا يقدمون صورة تختلف كثيراً عن مشجعي المدرجات المتحمسين. والمشهد الذي ظهر بشأن اتفاق مكة يكشف ذلك تماماً. في حين أن المنهج الذي ينبغي اتباعه هنا بسيط جداً. فلنقيّم الأمر من جانبَي الطرفين.

إذا اكتسبتم انطباعاً يجعلكم تفكرون في أن هذا الاتفاق محفوف بالمخاطر للغاية، وأنه قد يُدخل تركيا في الحروب الجارية حالياً، فعليكم أولاً أن تهدئوا هذا الانطباع في أذهانكم. فهذا التهدئة تمنح أذهانكم فسحة من الراحة. وعندها، ومن خلال قفزة ذهنية، تبدأون في رؤية النقاط التي لم تكن انطباعاتكم الأولى قد أظهرتها لكم، أي الفرص التي أفرزها الحدث باعتبارها النقيض الأقصى للمخاطر. وفي النهاية، يمكنكم مقارنة الاثنين وفهم أيهما قد يكون أكثر غلبة. ويمكنكم تكرار العملية نفسها في أذهانكم عدة مرات، والوصول بها إلى درجة من النضج تتيح لكم أن تكونوا أكثر يقيناً. ولنفرض أن المخاطر والفرص متساوية؛ عندها تفكرون في التدخلات التي يمكن أن تحد من المخاطر وتزيد الفرص، وتطورون بعض المقترحات. هذه أمور ينبغي القيام بها في دائرة صامتة قبل إلقاء خطاب أو كتابة مقال حول الموضوع. ثم تعلنون على المستوى العام الأحكام التي توصلتم إليها، مع مشاركة الكيفية التي توصلتم بها إليها أيضاً...

وإذا كانت انطباعاتكم الأولى إيجابية جداً، فعليكم أيضاً أن تتوقفوا هذه المرة وتسألوا أنفسكم: ما نوع المخاطر التي يمكن أن تكون موجودة؟ وبعد تحديدها، عليكم أن تطبقوا المنهج المذكور أعلاه أنتم أيضاً. وعندما يواجه محللان يتبعان هذا المنهج ويتوصلان إلى نتائج مختلفة بعضهما بعضاً، فإنهما لا يتشاجران؛ بل يناقشان المسألة بطريقة حضارية، حتى لو طرحا أطروحات مختلفة. أما الرأي العام الذي يتابعهما، فإنه يهدأ من جهة، ويحصل من جهة أخرى على فرصة للحصول على معطيات تمكّنه من التفكير بصورة أكثر دقة وصواباً.

أعتقد أن اتفاق مكة، الذي أعدّه أحد أهم أحداث الفترة الأخيرة، لا يزال في طور البذرة، وأنه مجرد إعلان نوايا من جانب الدول الثلاث. ويبدو أن هذا الأرز سيحتاج إلى كثير من الماء قبل أن ينضج. وسيُظهر الزمن كيف ستُترجم النية المشتركة إلى عمل وكيف ستكتسب أبعاداً. وبالطبع، لديّ أنا أيضاً انطباعاتي. شاركتها مع صديق أو اثنين أثق بهما كثيراً، ودفعت بها إلى أبعد نقطة يمكن أن تصل إليها. لم يبقَ حجر في جعبتي. والآن، كلها في مرحلة التهدئة، وسأكتب عنها كلما اكتسب الاتفاق شكلاً ملموساً، وبالطبع إذا كان مقدراً لنا ذلك. في الوقت الراهن، هذا كل شيء...

 

عن الكاتب

سليمان سيفي أوغون

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس