
حيدر أوروتش - كريتر - ترجمة وتحرير ترك برس
في الوقت الذي تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تغيرًا وتحولًا مهمين جراء الهجمات التي بدأت إسرائيل بشنها منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فإن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026، أجّجت هذا التغيير ودفعته إلى نقطة بات من المتعذر التراجع عنها. ذلك أنه لولا وقوع هذه الأحداث، لما كان من الممكن إبرام «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين تركيا والسعودية وباكستان في 7 أغسطس/آب 2026.
التطورات التي جعلت «الملكية الإقليمية» أمرًا ضروريًا
إن النهج الذي طرحته تركيا منذ فترة طويلة والقائم على حل مشكلات المنطقة من جانب دولها نفسها، أي الطرح الذي وصفه وزير الخارجية هاكان فيدان بأنه «الملكية الإقليمية»، لم يجد استجابة كافية من دول المنطقة. وعلى الرغم من اختلاف أسباب ذلك من دولة إلى أخرى، فإن التدخلات الخارجية لحل المشكلات التي شهدتها المنطقة لم تكن في نهاية المطاف بمثابة علاج للجراح، بل أدت، على العكس، إلى تعميق الجراح القائمة أو إلى تحولها إلى مشكلات مزمنة دون حلها. وبالتالي، تبيّن أن التدخلات التي قامت بها جهات من خارج المنطقة، ولا سيما من الغرب وبالطبع الولايات المتحدة، لم تنتج أي نتيجة ولم تجلب السلام والاستقرار إلى المنطقة.
لكن في المرحلة التي بدأت بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أدت سياسة إسرائيل التوسعية التي انتهجتها تجاه المنطقة، اعتقادًا منها بأن الظروف المناسبة قد تهيأت، وفي هذا الإطار شنها هجمات استهدفت ليس غزة والضفة الغربية فحسب، بل أيضًا لبنان وسوريا وإيران، إلى تغيير النظرة المسبقة تجاه الطروحات التركية لدى دول المنطقة.
ففي الوقت الذي اتضح فيه أن الدول الغربية التي كان يُنتظر منها أن تأتي إلى المنطقة وتحل مشكلاتها، انحازت جميعها تقريبًا إلى أحد طرفي الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وقدمت لأوكرانيا مساعدات بمليارات الدولارات، فضلًا عن دعمها سياسيًا وعسكريًا؛ فإنها ظلت غير مبالية بتدمير إسرائيل قطاع غزة، وقتلها أكثر من 73 ألف شخص وارتكابها إبادة جماعية واسعة النطاق، وتعميقها ضم أراضٍ في الضفة الغربية، ومحاولتها تدريجيًا تغيير وضع المسجد الأقصى، واحتلالها جنوب لبنان ومحاولتها إشعال حرب أهلية في البلاد، فضلًا عن استمرارها في احتلال الجولان السوري منذ عقود، ثم تعليقها اتفاقية عام 1974 من جانب واحد بعد ثورة 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 واحتلالها مزيدًا من الأراضي السورية، ومحاولتها منع استقرار سوريا من خلال التلاعب بالدروز وتنظيمي «قسد/بي كي كي» الإرهابيين.
وقد ظهر مرة أخرى مدى عدم اكتراث الجهات الفاعلة من خارج المنطقة بالأزمات أو الصراعات في منطقتنا، خلال الحرب على إيران. فكما أن هجوم جهة مثل الولايات المتحدة على إيران بعد وقوعها في فخ إسرائيل كان ظالمًا وخاطئًا، كان من الخطأ بالقدر نفسه ألا تبادر الدول الغربية الأخرى، كما حدث في المثال الأوكراني، إلى اتخاذ مبادرة لردع الولايات المتحدة عن هذه الحرب. ومع أن هذه الدول، التي ينتمي معظمها في الوقت نفسه إلى حلف شمال الأطلسي «الناتو»، لم تنخرط في الحرب برفضها الاستجابة لدعوة الولايات المتحدة حلفاءها إلى التحرك لفتح مضيق هرمز المغلق، رغم أن ذلك لا يتوافق مع ميثاق الناتو، فإنها أظهرت انحيازها من خلال توسيع العقوبات المفروضة على إيران بدلًا من ممارسة الضغط على إسرائيل لإنهاء الحرب.
وخلال هذه الحرب، أظهر هجوم إيران على دول الخليج ودول أخرى تستضيف قواعد أمريكية على أراضيها، بدلًا من استهداف إسرائيل والولايات المتحدة اللتين هاجمتاها، سواء لأنها أهداف أسهل نسبيًا أو بهدف الضغط بصورة غير مباشرة على الولايات المتحدة، مرة أخرى أهمية «الملكية الإقليمية».
سياسات إسرائيل التوسعية وتصورات دول المنطقة للتهديدات
لقد جعلت كل هذه التطورات آلية مثل «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» أمرًا ضروريًا بهدف إحباط حسابات دولة صغيرة مثل إسرائيل، تسعى إلى زعزعة استقرار المنطقة والاستفادة من ذلك، مستندة إلى قوتها في مجال جماعات الضغط التي تتمتع بها في الولايات المتحدة وأوروبا وإلى دعمها من هناك، وإقامة وضع راهن جديد. كما ينبغي اعتبار تشكيل جبهة مضادة أمرًا لا مفر منه بالنسبة للدول التي تقع خارج هذا التكتل، والتي ترى في التطورات الجارية تهديدًا لمصالحها الوطنية، في وقت كانت إسرائيل قد طرحت قبل فترة فكرة تشكيل محور من قبيل «الكتلة السداسية أو كتلة الهيكساغون»، دون أن يظهر لها أي مقابل على أرض الواقع.
لماذا تحظى الاتفاقية بكل هذه الأهمية؟
في مقدمة العوامل التي تجعل الاتفاقية مهمة، تأتي الخصائص والقدرات التي تتمتع بها الدول الموقعة عليها. فتركيا، إلى جانب كونها عضوًا في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، هي دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، وقد حققت في الآونة الأخيرة قفزات مهمة في مجال الصناعات الدفاعية. ولذلك فهي فاعل لا غنى عنه بالنسبة إلى البنية الأمنية لكل من الشرق الأوسط وأوروبا. أما باكستان، فهي الدولة المسلمة الوحيدة التي تمتلك أسلحة نووية، فضلًا عن امتلاكها تعدادًا سكانيًا كبيرًا. وبالنسبة إلى السعودية، فإنها تبرز بوصفها فاعلًا مهمًا، ليس فقط لما تمتلكه من موارد طاقة غنية، وإنما أيضًا لوقوعها عند نقطة تقاطع طرق التجارة العالمية. كما أنها تحظى بأهمية لدى الدول العربية والإسلامية وتحظى كلمتها بالاعتبار، لكونها فاعلًا رئيسيًا في كل من منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية، فضلًا عن كونها حامية الأماكن المقدسة في الإسلام.
إن اجتماع هذه القوى الثلاث المهمة وتشكيلها تحالفًا دفاعيًا سيولد تآزرًا من المرجح أن تمتد آثاره إلى خارج المنطقة. كما أنه في حال تنفيذ هذه الاتفاقية بنجاح، فمن المرجح حتمًا أن تحدث تأثيرًا متسلسلًا، ما يجعل انضمام دول المنطقة الأخرى إلى الاتفاقية أمرًا واردًا. وبالنظر إلى المبادرات المماثلة التي جرت محاولات لإطلاقها في أوقات مختلفة حتى الآن، لكنها لم تُستكمل بسبب الظروف الإقليمية والظرفية، فإن أهم تأثير لهذه الاتفاقية في الوقت الراهن يتمثل في بروزها بوصفها التطور الوحيد القادر على الحد من الرؤية الإقليمية العدوانية والاحتلالية والتوسعية لإسرائيل. ومن المفهوم أن اتفاقيات إبراهيم لن تعود تتمتع بأي جاذبية بالنسبة إلى دول المنطقة، كما أنه في حال انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة بعد الحرب على إيران، فإن نواة البنية الأمنية الجديدة للمنطقة ستكون الميثاق الجديد الذي ستُنشئه هذه الاتفاقية.
ماذا ستوفر الاتفاقية للدول الموقعة؟
تتسم هذه الاتفاقية بطابع دفاعي يهدف إلى حماية أطرافها من هجمات الدول الأخرى، وبذلك تقدم للدول الموقعة ضمانة أمنية شبيهة بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو. وإلى جانب إظهار قدرات تركيا الحالية، والقوة النووية لباكستان، والدعم المالي السعودي، جدية الاتفاقية، فإنها تتضمن أيضًا قدرًا كبيرًا من الردع بالنسبة إلى الجهات التي قد تحاول مهاجمة أحد الأطراف.
وبالتالي، باتت «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، إلى جانب عضوية تركيا في الناتو، الاتفاقية الوحيدة في المنطقة التي تقدم ضمانة دفاعية إضافية لدول المنطقة، وقد أُعلن في هذا الإطار أنها مفتوحة أيضًا أمام انضمامات جديدة. وعلى الرغم من التأكيد في التصريحات الصادرة على أن أي دولة لم تُستهدف على وجه الخصوص، فإنه من الواضح أيضًا أن الاتفاقية أنتجت قدرًا كبيرًا من الردع بالنسبة إلى إسرائيل في المقام الأول، وإلى كل من لديه حسابات في المنطقة أو يدعي امتلاك دور في تشكيل مستقبلها.
ومع عدم وجود أي شك بشأن قدرة الاتفاقية على الردع، فإننا لا نملك حتى الآن معلومات تفصيلية بشأن طبيعتها، ولذلك لا يُعرف على وجه الدقة كيف ستتم الاستجابة في حال تعرض الدول الأطراف لأي هجوم. كما لا يمكن التنبؤ بكيفية تنفيذ هذه الاستجابة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للدول الموقعة، ولا سيما أن باكستان تقع في موقع بعيد نسبيًا. لكن رغم كل هذه الضبابية، فإن تنفيذ مثل هذا التشكيل في منطقتنا أمر بالغ الأهمية.
وفي المحصلة، فإن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» تمثل تعبيرًا عن إرادة تشكلت من خلال اجتماع الديناميات المحلية للمنطقة في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها، وهي بهذا المعنى تجسيد فعلي لخطاب «الملكية الإقليمية» الذي طرحته تركيا. والهدف الأساسي من هذه المبادرة هو ضمان إحلال السلام والاستقرار في المنطقة، من خلال ما تفرضه من ردع، عبر تقديم بدائل أكثر عقلانية وواقعية للدول الموقعة مقارنة بمظلات الأمن الحالية التي تتآكل. ومع ذلك، فمن المعلوم للجميع أن تركيا وباكستان ستستخدمان، عند الضرورة، قوتهما الصلبة أيضًا للحفاظ على الاتفاقية. ولذلك، نأمل ألا يهاجم أي فاعل أيًا من الأطراف لاختبار هذه الاتفاقية، وألا نضطر نحن أيضًا إلى معرفة حدودها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











