
غولدينير سونوموت – ملييت - ترجمة وتحرير ترك برس
في الظاهر، خيّم الهدوء الصيفي على بروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي. فالحرارة الشديدة تسيطر على الأجواء. ويكاد الناس يُشوون داخل منازلهم بسبب درجات الحرارة التي تتجاوز بكثير المعدلات الموسمية. ولا يخلو هذا الوضع أيضاً من تأثير سياسات حزب الخضر، الذي شارك في الحكومات الائتلافية في دول أوروبية خلال فترات مختلفة. فالمنازل المعزولة بدرجة مفرطة، عندما ترتفع حرارتها في أجواء غير موسمية، لا تعود لتبرد بسهولة.
وبالعودة إلى موضوعنا، اجتمع مجلس شمال الأطلسي التابع لحلف الناتو هذا الأسبوع على مستوى السفراء، وسط هذا الهدوء الصيفي. وبينما أدان المجلس انتهاك روسيا للمجالين الجويين لرومانيا وبولندا، جدّد التزامه بتعزيز منظومة الدفاع الجوي لأوكرانيا.
وعلى الرغم من الهدوء الصيفي في بروكسل، كان أكثر موضوع حظي بالمتابعة والاهتمام لدى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي هو الخطاب الذي ألقاه نائب وزير الدفاع الأمريكي إلبريدج كولبي في مانيلا. فقد حظي الخطاب الذي ألقاه كولبي، المسؤول عن التخطيط السياسي في البنتاغون، في مركز الأبحاث «ستراتبيس أي دي آر» في العاصمة الفلبينية، بمتابعة دقيقة جداً من بروكسل أيضاً.
ووفرت مانيلا، التي كانت المحطة الأولى في جولة كولبي بجنوب شرق آسيا، والتي شملت إندونيسيا وماليزيا وتايلاند وكمبوديا، أرضية مناسبة لعرض توقعات الولايات المتحدة من دول المنطقة. وكما هو معلوم، قررت الولايات المتحدة سحب جزء مهم من قواتها التقليدية من أوروبا، وجزئياً من الشرق الأوسط، والتركيز على جنوب شرق آسيا. وفي هذا الإطار، كان من المتوقع أن تقدم الولايات المتحدة، التي تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع دول المنطقة، إشارات حول كيفية الحد من النفوذ العالمي للصين. وعلى الرغم من أن خطاب كولبي لم يتضمن عناصر تتناول ذلك بصورة مباشرة، فإن توقعات الولايات المتحدة من المنطقة ذكّرت بالخطاب الذي طُرح في قمة الناتو الأخيرة في أنقرة.
ليس وصياً بل شريكاً
أكد كولبي أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع الفلبين وتايلاند وإندونيسيا وكمبوديا بعقلية الوصي الحامي أو المستعمِر، بل تنظر إلى كل منها باعتبارها شريكاً متساوياً. وبالتوازي مع ذلك، نصح هذه الدول بإجراء الاستثمارات اللازمة لتعزيز أمنها الخاص. وكانت الزيارة مهمة من حيث كونها أول تواصل رسمي يقوم به كولبي مع المنطقة منذ توليه منصبه. إذ أكدت الولايات المتحدة بذلك أنها، بعد أن صاغت البنية الأمنية الجديدة لأوروبا في قمة أنقرة، ستتجه إلى التركيز على آسيا.
وفي حين حظي تقديم الفلبين بوصفها «شريكاً نموذجياً» بتغطية واسعة في الصحافة المحلية، لاقت جولة كولبي صدى قوياً أيضاً في وسائل الإعلام الإقليمية. وقد جرى استقبال التأكيد على أن الولايات المتحدة، بخلاف ما يحدث في أوروبا، لا تنسحب من آسيا، وأنها ستعزز وجودها على مستوى النظر وعلى أساس الشراكة، بصورة إيجابية. كما لم يفت الانتباه أن كولبي لم يتطرق إطلاقاً إلى التوتر بين الصين وتايوان أو إلى أزمة سكاربورو شول. ومن ناحية أخرى، انتقدت وسائل إعلام المنطقة عدم قدرة الولايات المتحدة، رغم وعودها بالردع العسكري، على تقديم بديل ملموس في مجالات البنية التحتية والتجارة والتكامل الاقتصادي.
الدعم وعلامة الاستفهام
إن ترحيب حكومات جنوب شرق آسيا بالانفتاح الأمريكي خطوة مهمة، لكنه ليس كافياً بمفرده. ففي الواقع، يُظهر البحث العالمي الذي أجراه مركز بيو للأبحاث أن شعوب المنطقة تنظر إلى الولايات المتحدة بعين الريبة. ووفقاً للدراسة، يرى الرأي العام في جنوب شرق آسيا أنه تُرك وحيداً عندما انسحب دونالد ترامب من الشراكة عبر المحيط الهادئ عام 2017. كما أن سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وموقفها الذي يتجاهل القانون الدولي يؤثران أيضاً في حالة انعدام الثقة هذه.
إن نهج كولبي القائم على الشراكة مع الحكومات، والمفهوم الذي يتبناه البنتاغون والذي لا يعتمد فقط على القوة الصلبة بل يبرز التعاون المشترك، أمران قيّمان. لكن لكي تنجح هذه الاستراتيجية، لا بد من كسب «القلوب والعقول»، وهو التعبير المنسوب إلى الجنرال البريطاني جيرالد تمبلر عام 1952، وإن كان الجنرال الفرنسي هوبير ليوتي قد عبّر عنه للمرة الأولى عام 1895.
وإلا، فعلى الرغم من دعم الحكومات لواشنطن، قد تتمكن بكين من كسب قلوب الشعوب الآسيوية التي تنظر إلى الولايات المتحدة بعين الشك. وقد يؤدي هذا الوضع إلى إعادة الفوضى إلى المنطقة بدلاً من الاستقرار.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










