ترك برس

يقف لبنان منذ عقود على أرض سياسية شديدة الهشاشة، حيث تتداخل الطوائف والمصالح الإقليمية والتوازنات الدولية في صيغة جعلت من بقاء الدولة نفسها عملية تفاوض مستمرة بين قوى متعددة. وفي هذا المشهد، تبرز الطائفة المسيحية، بمختلف مكوناتها المارونية والأرثوذكسية والكاثوليكية والأرمنية، باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لفهم مستقبل لبنان السياسي والثقافي، خصوصاً مع التحولات التي تشهدها المنطقة وتراجع نفوذ حزب الله.

ومن هنا يطرح مقال للكاتب إلكر سيزر في موقع «بيرسبكتيف» سؤالاً يتجاوز حدود العلاقة التقليدية بين أنقرة وبيروت: ماذا تستطيع تركيا أن تفعل مع مسيحيي لبنان؟ وهل يمكن لأنقرة، التي حافظت طوال سنوات على سياسة تقوم على التعامل مع الدولة اللبنانية بعيداً عن الاصطفاف المباشر مع الطوائف، أن تحول هذه السياسة المتوازنة إلى نفوذ سياسي وثقافي واقتصادي أكثر رسوخاً؟

وتكتسب المسألة أهمية خاصة في ظل التنافس المتزايد بين تركيا وإسرائيل على النفوذ الإقليمي، وما قد يترتب على مرحلة ما بعد حزب الله من إعادة تشكيل للتحالفات داخل لبنان، بما في ذلك موقف النخب المسيحية من كل من إسرائيل وتركيا والقوى الإقليمية الأخرى.

لبنان.. دولة معلقة بين التفاهمات

يستهل الكاتب مقاله برواية منسوبة إلى رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، الذي قيل إنه قال في تسعينيات القرن الماضي لأحد الصحفيين الأميركيين في أحد فنادق الرياض إن «لبنان ليس دولة، بل صفقة تجارية».

وبغض النظر عن دقة الرواية، يرى الكاتب أن استمرار تداولها مفهوم بالنظر إلى طبيعة الحياة السياسية اللبنانية، التي ظلت لعقود قائمة على تفاهمات مكتوبة وغير مكتوبة، وتسويات مؤقتة، وتوازنات قابلة للتغير في أي لحظة.

فلبنان، بحسب هذه القراءة، لم يتمكن بصورة كاملة من التحول إلى دولة ذات مؤسسات مستقرة تتجاوز الحسابات الطائفية والإقليمية، رغم أن رموز الدولة حاولت تقديم شجرة الأرز في العلم اللبناني باعتبارها رمزاً جامعاً لكل مكونات المجتمع، بعيداً عن الرموز الدينية أو القومية التي يمكن أن تنحاز إلى طائفة أو تيار بعينه.

ويعتبر الكاتب أن إحدى الحقائق الثابتة في تاريخ لبنان السياسي هي أن التحالفات بين القوى المختلفة غالباً ما اتسمت بالمؤقتية والمرونة، وأن اللاعبين المحليين والإقليميين أعادوا باستمرار ترتيب مواقعهم وفقاً للظروف والمتغيرات.

أنقرة اختارت «الدولة أولاً»

وسط هذا المشهد، يقول الكاتب إن تركيا حرصت على تبني سياسة مختلفة تجاه لبنان، تقوم أساساً على التعامل من دولة إلى دولة، بعيداً عن الانحياز المباشر إلى أي طائفة أو تنظيم سياسي.

ويشير إلى أن أنقرة عملت، من جهة، على ألا يتحول لبنان إلى مصدر مباشر لأزمة تمس أمنها القومي، ومن جهة أخرى، تجنبت لعب دور تخريبي أو التدخل بصورة مباشرة في الانقسامات الداخلية.

ويعتبر أن هذا النهج لقي تقديراً من مختلف الأطراف اللبنانية التي تعامل معها الكاتب، مشيراً إلى أن أنشطة تركيا في المناطق ذات الحضور التركماني، مثل عكار، أو مشاريع القوة الناعمة في طرابلس ذات الغالبية السنية، لم تُفهم عموماً باعتبارها جزءاً من مشروع سياسي سري.

وتظهر هذه السياسة من خلال أنشطة مؤسسات تركية مثل الوكالة التركية للتعاون والتنسيق «تيكا»، والهلال الأحمر التركي، ومعهد يونس إمره، التي نفذت مشاريع في مناطق تمتد من طرابلس وصيدا إلى بيروت والبقاع.

لكن الكاتب يرى أن تركيا لم تسع حتى الآن بصورة واضحة إلى تحويل هذا الحضور الإنساني والثقافي والاقتصادي إلى نفوذ سياسي مباشر، ولذلك بقي عدد الشخصيات اللبنانية التي يمكن وصفها بأنها مؤيدة لأنقرة بشكل علني محدوداً، مقارنة بنفوذ شخصيات مرتبطة بقوى إقليمية أخرى.

المنافسة التركية الإسرائيلية قد تغير المعادلة

لكن التحولات الإقليمية، وفق المقال، قد تدفع أنقرة إلى إعادة النظر في هذا النهج.

فمع تحول تركيا وإسرائيل تدريجياً إلى منافسين إقليميين رئيسيين، قد يصبح لبنان جزءاً من ساحة التنافس غير المباشر بينهما، خصوصاً في حال دخول البلاد مرحلة جديدة بعد تراجع نفوذ حزب الله.

ويرى الكاتب أن تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عندما أشار في يونيو/حزيران إلى بيروت باعتبارها إحدى المدن التي يبدأ عندها أمن تركيا، لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد عبارة عابرة.

فلبنان، وفق هذه الرؤية، قد يتحول إلى جزء من الحسابات الاستراتيجية الأوسع لتركيا في شرق المتوسط، لا سيما إذا أعيد تشكيل موازين القوى الداخلية بعد تراجع نفوذ حزب الله.

المسيحيون.. مفتاح سياسي وثقافي

وعلى الرغم من تراجع أعداد المسيحيين في لبنان على مدى العقود الماضية، فإنهم ما زالوا يحتلون موقعاً محورياً في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية.

ويضم المشهد المسيحي اللبناني طوائف رئيسية، في مقدمتها الموارنة والروم الأرثوذكس والكاثوليك والأرمن، وهي مكونات لعبت تاريخياً دوراً بارزاً في تشكيل الحياة السياسية والثقافية في البلاد.

ويشير الكاتب إلى أن موقع المسيحيين لا يقتصر على التمثيل الطائفي، إذ ترتبط بهم مؤسسات سياسية واقتصادية وتعليمية وثقافية مؤثرة.

ويحتل المسيحيون كذلك مواقع رئيسية في بنية الدولة اللبنانية، إذ يخصص منصب رئيس الجمهورية للموارنة وفق النظام السياسي القائم، فيما يحتفظ المسيحيون بحضور مؤثر في مؤسسات الدولة ومواقعها المختلفة.

ومن هنا، فإن الاتجاه الذي ستسلكه النخب المسيحية اللبنانية في السنوات المقبلة قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود الطائفة، لتؤثر في مستقبل لبنان وعلاقاته الإقليمية.

هل يتجه المسيحيون نحو إسرائيل؟

يرصد الكاتب، بناء على لقاءات أجراها مع صحفيين وسياسيين لبنانيين، ميلاً متزايداً لدى بعض الأوساط المسيحية إلى التفكير في تحسين العلاقات مع إسرائيل، انطلاقاً من اعتقاد بأن الاستقرار الدائم في لبنان قد يكون مرتبطاً بعلاقات أفضل مع إسرائيل.

ويشير إلى أن هذه الأفكار لا تزال في كثير من الأحيان موضع نقاش خلف الأبواب المغلقة وداخل الأوساط العائلية والسياسية، لكنها قد تكتسب زخماً أكبر في حال تراجع حزب الله بصورة أكبر أو اختفاء قدرته على الردع.

وفي سيناريو كهذا، قد ترى بعض النخب المسيحية أن حكومة قوية مدعومة من إسرائيل لن تكون بالضرورة تهديداً لمصالحها، إذا ضمنت لها الاستقرار السياسي والحفاظ على وزنها داخل الدولة.

ويرى الكاتب أن مثل هذا التحول قد يمنح إسرائيل فرصة لتوسيع نفوذها داخل السياسة اللبنانية، وهو ما قد يؤدي في الوقت ذاته إلى توسيع نطاق المنافسة الجيوسياسية مع تركيا في شرق المتوسط.

ذاكرة 1982 تعود إلى الواجهة

ولا يستبعد المقال هذا السيناريو، مستحضراً تجربة الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، عندما دخلت بعض الفصائل المسيحية اللبنانية في تحالفات تكتيكية مع إسرائيل بهدف مواجهة نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية وسوريا.

ويرى الكاتب أن الفرق الأساسي بين تلك المرحلة والمرحلة الحالية يتمثل في استمرار وجود قدرة عسكرية لحزب الله، وإن كانت أضعف مما كانت عليه سابقاً.

أما في حال اختفاء هذه القدرة بصورة كاملة، فقد تجد بعض النخب المسيحية مساحة أكبر لتطوير علاقات تدريجية مع إسرائيل مقابل ضمانات تتعلق بالاستقرار السياسي ومكانة المسيحيين في الدولة.

ويحذر الكاتب من أن مثل هذا السيناريو قد يضع لبنان في قلب نفوذ إسرائيلي أكبر، ويزيد من الضغوط الجيوسياسية التي تواجه تركيا في شرق المتوسط.

ويشير في هذا السياق إلى ملف ترسيم الحدود البحرية اللبنانية، وإلى العلاقات المباشرة التي بدأت بين بيروت وتل أبيب، رغم استمرار قانون لبناني يعود إلى عام 1955 يفرض قيوداً على التواصل مع إسرائيل.

إسرائيل تبحث عن نفوذ يتجاوز القوة العسكرية

ويرى الكاتب أن إسرائيل لا تحتاج فقط إلى التفوق العسكري لتحقيق نفوذ طويل الأمد، بل تحتاج أيضاً إلى بناء شبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية في المجتمعات المحيطة بها.

وفي الحالة اللبنانية، يمكن أن تتخذ هذه العلاقات، بحسب المقال، أشكالاً متعددة، من الدعم الاقتصادي والشراكات التجارية إلى المساعدات السياسية والاتصالات الدولية وضمانات عدم الاعتداء.

ويحذر الكاتب من إمكانية استخدام هذه الأدوات لتعزيز نفوذ إسرائيل داخل النخب المسيحية اللبنانية، خصوصاً إذا أدى تراجع حزب الله إلى فراغ سياسي وأمني في بعض المناطق.

ويشير كذلك إلى تجارب إسرائيلية في التعامل مع مكونات اجتماعية في سوريا، مثل الدروز، باعتبارها مؤشراً على إمكانية اعتماد سياسات مشابهة في لبنان.

ماذا تستطيع تركيا أن تقدم للمسيحيين اللبنانيين؟

في مواجهة هذه الاحتمالات، يطرح الكاتب سؤالاً أساسياً: إذا كان المسيحيون اللبنانيون يجدون أنفسهم بين وضع إقليمي مرتبط بإيران، وبين احتمال الانجذاب إلى مشروع إسرائيلي قد يحمل مخاطر جديدة، فمن يستطيع توفير خيار ثالث؟

وهنا يرى أن تركيا تملك فرصة لبناء علاقة أكثر عمقاً مع المجتمع المسيحي اللبناني، شرط أن تكون هذه العلاقة قائمة على الحوار والثقة والمصالح المتبادلة، وليس على التدخل في التوازنات الداخلية أو محاولة استقطاب طائفة ضد أخرى.

ويعتبر أن حواراً تركياً مسيحياً لبنانياً أكثر انتظاماً يمكن أن يوفر للنخب المسيحية مساحة أوسع للمناورة، ويقلل من شعورها بالعزلة الإقليمية، ويمنحها بدائل عن الاعتماد على طرف واحد.

كما أن صورة تركيا في لبنان، رغم وجود ملفات تاريخية حساسة، لا تزال تحمل عناصر يمكن البناء عليها، في ظل ما يصفه الكاتب باحترام وإعجاب لدى قطاعات من اللبنانيين بالتجربة التركية الحديثة.

أنطاكيا.. جسر تاريخي يمكن إعادة إحيائه

ويطرح المقال مجموعة من الأفكار العملية التي يمكن لأنقرة الاستفادة منها لتعزيز علاقاتها بالمسيحيين اللبنانيين، في مقدمتها تطوير السياحة الدينية والثقافية.

وتبرز مدينة أنطاكيا، التي تعد ذات مكانة دينية وتاريخية مهمة لدى المسيحيين اللبنانيين، باعتبارها أحد أبرز الجسور الممكنة.

ويشير الكاتب إلى أن لقب البطريرك الماروني الرسمي هو «بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة»، ما يمنح المدينة بعداً رمزياً خاصاً في العلاقة بين تركيا والكنيسة المارونية.

ومن هنا، يقترح أن تصبح أنطاكيا وجهة منتظمة للزيارات الدينية والثقافية للمسيحيين اللبنانيين، بما في ذلك الشخصيات الدينية والسياسية، وأن تتحول إلى مساحة للحوار والتواصل بعيداً عن الاستقطابات السياسية.

التعليم والثقافة والاقتصاد أدوات نفوذ ناعمة

ولا يقترح الكاتب الاكتفاء بالرمزية الدينية، بل يدعو إلى بناء شبكة أوسع من العلاقات الثقافية والتعليمية والاقتصادية.

ومن بين الأفكار المطروحة افتتاح برامج لتعليم اللغة التركية في مدن ذات غالبية مسيحية مثل جونية والبترون من خلال معهد يونس إمره، وإطلاق برامج تبادل مع المدارس المسيحية المرموقة في لبنان.

كما يشير إلى إمكانية تعزيز التواصل بين غرف التجارة التركية واللبنانية، وتكثيف الاتصالات رفيعة المستوى مع النخب السياسية المسيحية، بما يفتح المجال أمام شراكات اقتصادية وثقافية طويلة الأمد.

ويرى أن هذه الخطوات ليست بالضرورة مكلفة أو صعبة التنفيذ، لكنها يمكن أن تساهم في بناء شبكة علاقات أعمق وأكثر استدامة من العلاقات السياسية الظرفية.

فرصة لأنقرة لإعادة صياغة حضورها

في نهاية المطاف، يخلص المقال إلى أن تركيا تمتلك مجموعة من عناصر القوة التي يمكن أن تساعدها على بناء حضور أوسع لدى المسيحيين اللبنانيين، من سياستها التي تجنبت الانحياز الطائفي المباشر، إلى نموذجها العلماني الدستوري الذي يوفر مساحة لمختلف المكونات الدينية، مروراً بقدراتها الاقتصادية وتأثيرها في سوريا، وعلاقاتها التاريخية والاجتماعية مع المنطقة.

كما يمكن أن يشكل مسار التقارب التركي الأرمني، إلى جانب حضور تركيا الثقافي والاقتصادي، أرضية إضافية لبناء علاقة أكثر انفتاحاً مع المجتمع المسيحي اللبناني.

لكن نجاح هذه السياسة يتطلب، وفق المقال، الحفاظ على التوازن الذي ميز الحضور التركي في لبنان طوال السنوات الماضية، وعدم تحويل العلاقة مع المسيحيين إلى مشروع نفوذ طائفي جديد.

فالمعادلة التي يقترحها الكاتب تقوم على دعم المكونات التي تربطها بتركيا علاقات تاريخية، بما فيها التركمان والشرائح السنية، بالتوازي مع بناء علاقة استراتيجية ومنظمة مع المسيحيين، على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

وبذلك يمكن لأنقرة أن تنتقل من سياسة «الحضور المتوازن» إلى سياسة أكثر تأثيراً، من دون التخلي عن مبدأ عدم الانخراط في الصراعات الطائفية.

وفي ظل إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، قد لا يكون السؤال بالنسبة إلى تركيا هو ما إذا كانت ستدخل ساحة التنافس على النفوذ في لبنان، وإنما "كيف تستطيع أن تبني نفوذاً يحافظ على استقرار لبنان، ويمنح مختلف مكوناته خيارات أوسع، ويحول دون تحول البلاد إلى ساحة جديدة للصراع الإقليمي في شرق المتوسط".

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!