
ترك برس
على مدى ربع قرن، لم تكن تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا مجرد قصة حزب سياسي وصل إلى السلطة واستمر فيها، بل ارتبطت، وفق تحليل للكاتب نصوحي غونغور، بموقع "خبر تورك"، بتحول أوسع في طبيعة العلاقة بين الدولة والسياسة والشعب.
فمنذ تأسيس الحزب قبل 25 عاماً، أمضى نحو 24 عاماً في الحكم، في تجربة تزامنت مع صراع طويل مع ما يسميه الكاتب «الوصاية» التي كانت، في مراحل سابقة، تفرض حدوداً على السياسة وتعيد رسم مساراتها بعيداً عن الإرادة الشعبية.
وفي الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس الحزب، يعيد غونغور قراءة هذه المسيرة من زاوية العلاقة بين الرئيس رجب طيب أردوغان والجمهور، متوقفاً عند التحولات التي شهدتها تركيا منذ انقلاب 12 سبتمبر/أيلول 1980، وصولاً إلى مرحلة العدالة والتنمية، وما يعتبره انتقالاً تدريجياً للسياسة من دوائر الوصاية إلى إرادة الشعب.
من انقلاب 1980 إلى إضعاف السياسة
يرى الكاتب أن انقلاب 12 سبتمبر/أيلول 1980 لم ينتهِ فعلياً بمجرد العودة الشكلية إلى الحياة الديمقراطية، إذ استمر تأثير المؤسسة العسكرية والوصاية السياسية لسنوات طويلة.
فالشخصية التي قادت الانقلاب بقيت في منصب رئيس الجمهورية سبع سنوات، وهو ما اعتبره غونغور دليلاً بحد ذاته على استمرار نفوذ الوصاية فوق السياسة، بالتوازي مع إغلاق الأحزاب السياسية وفرض حظر سياسي على عدد من قادتها.
وأدى ذلك، بحسب الكاتب، إلى عملية واسعة من «تقليم» الحياة السياسية، أضعفت الأحزاب وقللت من مكانة السياسة في المجتمع، وأصبح المجال السياسي يعمل تحت سقف تفرضه قوى لم تكن تستمد شرعيتها مباشرة من صناديق الاقتراع.
«ضبط توازن» السياسة
وعلى الرغم من أن فترة الرئيس الراحل تورغوت أوزال القصيرة حملت محاولات لتعزيز وزن السياسة، فإن الكاتب يرى أن مساراً جديداً بدأ بعد وفاته المشكوك في ظروفها، لتعود البلاد إلى مرحلة أخرى من التدخلات والقيود المفروضة على الحياة السياسية.
وشهدت السنوات اللاحقة محاولات متكررة لقمع أو إقصاء مشاريع سياسية قالت إنها تمثل إرادة المجتمع، وكان من أبرز الأمثلة وصول حزب الرفاه بزعامة الراحل نجم الدين أربكان إلى المرتبة الأولى في انتخابات 1995 وتشكيله حكومة ائتلافية مع حزب الطريق القويم، قبل أن يتعرض بدوره لضغوط انتهت بإقصائه.
ويشير غونغور إلى أن انقلاب 28 فبراير/شباط 1997، الذي يوصف عادة بأنه «انقلاب ما بعد حداثي»، لم يكن نتاج المؤسسة العسكرية وحدها، وإنما شاركت فيه أيضاً دوائر بيروقراطية وقطاعات من رأس المال، في مشهد اعتبره الكاتب جزءاً من تاريخ تدخل الوصاية في السياسة التركية.
إغلاق الأحزاب.. وإبعاد السياسة عن الشعب
لم تتوقف الضغوط عند حزب الرفاه، إذ أغلق لاحقاً حزب الفضيلة أيضاً، فيما شهدت الساحة السياسية حملات وضغوطاً متعددة هدفت، بحسب الكاتب، إلى منع قوى أخرى من تكرار التجربة.
ويعتبر غونغور أن تلك المرحلة دفعت السياسة التركية بعيداً عن «مالكها الحقيقي»، أي الشعب وإرادته، وجعلت صناعة القرار السياسي أقرب إلى دوائر مغلقة من ارتباطها بالمجتمع.
ومن هنا يربط الكاتب بين صعود أردوغان وحزب العدالة والتنمية في نهاية عام 2002 وبين ما يصفه بعملية «إعادة تسليم السياسة إلى الشعب».
«الشعب هو من أسس الحزب»
وفي خطابه بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس الحزب، استعاد أردوغان بدايات التجربة السياسية للعدالة والتنمية، مؤكداً أن الحزب نشأ من المجتمع نفسه.
وقال أردوغان إن «الشعب أسس هذا الحزب»، وإن نسيجه نسجه الشعب وعجنه، مشيراً إلى أن الحزب انطلق في وقت كانت فيه السياسة تعاني الاختناق، والاقتصاد يمر بأزمة شديدة، وكانت تركيا غير قادرة على رؤية طريقها بوضوح.
ووضع أردوغان شعار «لن يكون شيء كما كان عليه من قبل» عنواناً للمرحلة التي بدأها الحزب، في إشارة إلى رغبته في تغيير قواعد العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي كانت سائدة آنذاك.
ربع قرن من الأزمات السياسية
ولم تكن رحلة أردوغان والعدالة والتنمية، بحسب الكاتب، سهلة منذ البداية.
فأردوغان نفسه لم يتمكن من خوض أول انتخابات للحزب على النحو الذي كان يريده بسبب الحظر السياسي المفروض عليه آنذاك، قبل أن يدخل لاحقاً في مسيرة سياسية امتدت ربع قرن واجه خلالها أزمات وصراعات عديدة.
وفي خطابه الأخير، عدد أردوغان مجموعة من المحطات التي يرى أنها استهدفت إيقاف مسيرة الحزب، من سيناريوهات الانقلاب ومحاولات إصدار مذكرات عسكرية، إلى محاولة إغلاق الحزب، وأحداث دانشتاي، واحتجاجات غيزي، والهجمات الإرهابية، ثم محاولة «الانقلاب القضائي» في 17-25 ديسمبر/كانون الأول 2013، وصولاً إلى محاولة الانقلاب المسلح في 15 يوليو/تموز 2016.
ويرى أردوغان أن الحزب تمكن من تجاوز هذه الأزمات واحدة تلو الأخرى، بدعم من قاعدته الشعبية.
آيا صوفيا.. رمز التحولات
إلى جانب الصراعات السياسية، يركز الكاتب على عدد من الخطوات التي يعتبرها رموزاً لمسيرة أردوغان السياسية، وفي مقدمتها إعادة فتح آيا صوفيا للعبادة.
ويستشهد غونغور بكلام أردوغان عن كسر «السلاسل» التي قال إنها وضعت على أبواب آيا صوفيا، وإعادة فتح «آيا صوفيا الكبير الشريف» للصلاة، باعتبار ذلك أحد أبرز الرموز التي عكست قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات كانت لفترة طويلة تعد من الملفات شديدة الحساسية في الحياة السياسية التركية.
ويضع الكاتب هذه الخطوة ضمن سلسلة أوسع من الإصلاحات والمشروعات والخدمات التي يقول إن حكومات العدالة والتنمية قدمتها خلال السنوات الماضية.
ما طبيعة علاقة أردوغان بالشعب؟
يصل غونغور في مقاله إلى السؤال المركزي: ما طبيعة العلاقة بين أردوغان والشعب؟
ويرى أن الإجابة لا تكمن فقط في قدرة الرئيس التركي على الفوز في الانتخابات أو الحفاظ على قاعدة شعبية واسعة، وإنما في تصور سياسي يعتبر الشعب نفسه قيمة أساسية.
ويقول الكاتب إن أردوغان لا ينطلق فقط من فكرة «تقدير الشعب»، وإنما من اعتبار الشعب «قيمة بحد ذاته»، بحيث لا تكون قيمة المواطن منحة تقدمها السياسة له.
وفي هذا التصور، لا يكون الشعب مجرد موضوع للسياسة أو جمهوراً تتوجه إليه الحملات الانتخابية، بل يصبح «الفاعل الحقيقي» في الحياة السياسية.
ويعتبر غونغور أن الذين لا يستطيعون فهم هذه العلاقة بين أردوغان والشعب لن يتمكنوا من إنتاج سياسة مختلفة ما لم يتخلوا عن النظرة التي تجعل السياسي في موقع «المانح» والشعب في موقع المتلقي.
من مواجهة الوصاية إلى مرحلة جديدة
لكن الكاتب لا يقدم ربع قرن العدالة والتنمية باعتباره قصة مكتملة، بل يرى أن الحزب، بعد مرور 25 عاماً، بحاجة إلى مراجعة تجربته وإعادة النظر في مساره.
ويعتبر أن استمرار التجربة السياسية في المستقبل يتطلب عملية تقييم ديناميكية، خصوصاً أن الحزب انتقل من موقع القوة المعارضة للوصاية إلى موقع السلطة التي تدير الدولة منذ سنوات طويلة.
وبالتالي، فإن السؤال لم يعد فقط كيف واجه الحزب قوى الوصاية، وإنما كيف يحافظ على الحيوية السياسية ويضمن استمرار ارتباطه بالمجتمع، وكيف يمنع ظهور أشكال جديدة من الوصاية داخل النظام السياسي نفسه.
«تركيا بلا إرهاب» وآفاق جديدة
ويختتم الكاتب قراءته بالإشارة إلى ما يراه تحولاً جديداً في المشهد التركي والإقليمي.
فمع اكتمال ربع قرن على تأسيس العدالة والتنمية، يرى غونغور أن تركيا تدخل مرحلة تتجه فيها إلى إنهاء مصدر آخر من مصادر الوصاية من خلال مشروع «تركيا بلا إرهاب»، الذي يأمل أن يؤدي إلى إنشاء منطقة سلام في محيط البلاد.
ويربط الكاتب هذا المسار باتفاق مكة للدفاع المشترك، معتبراً أن التعاون الإقليمي الجديد يمكن أن يفتح المجال أمام نقل أجواء الاستقرار والسلام إلى نطاق يتجاوز حدود المنطقة المباشرة لتركيا.
وبين ذاكرة الانقلابات العسكرية وإغلاق الأحزاب والحظر السياسي، ومرحلة امتدت فيها تجربة العدالة والتنمية على مدى ربع قرن، يقدم المقال قراءة لمسار طويل عنوانه الأساسي إعادة السياسة إلى المجتمع.
وفي هذه القراءة، لا تختصر تجربة أردوغان في مدة بقائه في السلطة، وإنما تتصل أيضاً بالطريقة التي أعاد بها تعريف العلاقة بين الدولة والناخب، وبين السياسة والمجتمع، وبالتحولات التي شهدتها تركيا في مسار التخلص من الوصاية السياسية.
ومع دخول الحزب عامه السادس والعشرين، يبدو التحدي الجديد مختلفاً عن تحديات البدايات: فبعد أن كانت المعركة الأساسية تتمثل في انتزاع السياسة من قبضة الوصاية وتسليمها إلى الشعب، بات الاختبار هو الحفاظ على هذا الارتباط الشعبي، وتطوير الحياة الديمقراطية، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة تستطيع فيها تركيا تحويل قوتها السياسية إلى استقرار وسلام أوسع في محيطها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










