ترك برس

في بلدة غوينوك الهادئة بولاية بولو شمال غربي تركيا، حيث تتجاور البيوت العثمانية القديمة مع المساجد والحمامات التاريخية، يقف ضريح الشيخ أق شمس الدين شاهداً على مرحلة مفصلية من التاريخ العثماني، وعلى سيرة عالم جمع بين العلم والتصوف والطب، وارتبط اسمه بأحد أعظم الأحداث في التاريخ الإسلامي، وهو فتح إسطنبول.

ففي هذا المكان يرقد الشيخ محمد شمس الدين بن حمزة، المعروف باسم أق شمس الدين أو أق شيخ، أحد أبرز علماء ومتصوفي القرن الخامس عشر، ومعلم السلطان محمد الثاني، الذي عُرف لاحقاً باسم السلطان محمد الفاتح. ولم يكن حضور أق شمس الدين إلى جانب الفاتح مجرد حضور عالم في بلاط السلطان، بل ارتبط بصورة وثيقة بالجانب المعنوي والروحي من مسيرة الفتح، حتى أصبح في الذاكرة التركية والإسلامية يُعرف بـ"فاتح إسطنبول المعنوي".

ويحتضن غوينوك اليوم ضريحه، الذي يُعد من أبرز معالم البلدة الدينية والتاريخية، فيما لا تزال ذكراه حاضرة من خلال فعاليات سنوية تستقطب الزوار لإحياء سيرته واستحضار دوره العلمي والروحي في التاريخ العثماني.

من دمشق إلى الأناضول

وُلد أق شمس الدين، واسمه الكامل شمس الدين محمد بن حمزة، في دمشق عام 1390، وينحدر من أسرة علمية عريقة، وتذكر المصادر التركية أن نسبه من جهة أبيه يعود إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فيما ينتسب إلى سلالة الشيخ شهاب الدين السهروردي. وانتقل مع والده إلى الأناضول وهو في السابعة من عمره، واستقر في منطقة قافاك التابعة آنذاك لأماسيا.

حفظ القرآن في سن مبكرة، وتلقى علوم الدين، ثم واصل تحصيله حتى أصبح مدرساً في مدرسة عثمانجق، كما تلقى علوم الطب، واشتهر في عصره إلى جانب مكانته الدينية بوصفه طبيباً وعالماً متعدد المواهب.

لكن المسار العلمي وحده لم يكن كافياً لإشباع تطلعاته الروحية، فبدأ رحلة البحث عن مرشد صوفي، وانتهى به الأمر إلى الارتباط بالشيخ حاجي بيرم ولي، أحد أبرز أعلام التصوف في الأناضول ومؤسس الطريقة البيرمية.

وتشير المصادر إلى أن أق شمس الدين خضع لفترة من المجاهدة والرياضة الروحية، ثم أصبح من أبرز خلفاء حاجي بيرم ولي، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى غوينوك، حيث قضى سنواته الأخيرة من حياته.

علاقة خاصة بالسلطان محمد الفاتح

بدأت علاقة أق شمس الدين بالسلطان محمد الثاني في وقت مبكر، إذ عرفه السلطان منذ كان أميراً، واستمرت الصلة بينهما بعد اعتلائه العرش.

وقبل فتح إسطنبول، زار أق شمس الدين السلطان في أدرنة أكثر من مرة، وتشير المصادر إلى أنه عالج بعض الشخصيات المقربة من السلطان، قبل أن ينضم إليه في الحملة العسكرية التي خرجت من أدرنة باتجاه إسطنبول عام 1453.

وخلال حصار المدينة، كان أق شمس الدين من أبرز الشخصيات الدينية التي رافقت الجيش العثماني، إلى جانب عدد من شيوخ عصره ومريديهم. ولم يقتصر دوره على الوعظ، بل كان يسهم في رفع معنويات السلطان والجنود خلال الأيام الصعبة للحصار، وتشير المصادر إلى رسائل بعث بها إلى الفاتح يشجعه فيها على الصبر والثبات ويبشره بقرب النصر.

ولهذا ارتبط اسمه في الذاكرة العثمانية بالجانب الروحي من فتح إسطنبول، إلى جانب الدور العسكري والاستراتيجي الذي اضطلع به الجيش والسلطان.

قصة اكتشاف قبر أبي أيوب الأنصاري

ومن أشهر ما ارتبط باسم أق شمس الدين بعد فتح إسطنبول قصة اكتشاف قبر الصحابي أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، الذي استشهد خلال إحدى الحملات على القسطنطينية في العصر الأموي.

وتشير المصادر التركية إلى أن السلطان محمد الفاتح طلب من أق شمس الدين البحث عن قبر الصحابي، وتمكن الشيخ، وفق الرواية التاريخية المتداولة، من تحديد موضعه، ليقام لاحقاً مسجد وضريح أبي أيوب الأنصاري في المنطقة التي تعرف اليوم باسم أيوب سلطان في إسطنبول. وتُعد هذه الواقعة من أبرز الأسباب التي رسخت مكانة أق شمس الدين في الذاكرة الدينية للمدينة.

عالم في التصوف والطب

لم يكن أق شمس الدين شيخاً صوفياً فحسب، بل كان عالماً له إسهاماته في مجالات متعددة، وترك عدداً من المؤلفات في التصوف والفكر الديني، من أبرزها "الرسالة النورية" و**"دفع مطاعن الصوفية"**، إضافة إلى مؤلفات في الطب.

وتشير دائرة المعارف الإسلامية التركية إلى أن أق شمس الدين عُرف في عصره بلقب "طبيب الأبدان"، وأنه كتب في الطب، كما ارتبط اسمه في الدراسات التاريخية التركية بطرح مبكر لفكرة انتقال الأمراض عن طريق عوامل دقيقة، قبل الطبيب الإيطالي جيرولامو فراكاستورو بنحو قرن. ومع ذلك، فإن نسبة السبق العلمي المطلق إليه في اكتشاف نظرية الجراثيم تبقى موضوعاً يحتاج إلى التمييز بين ما ورد في المصادر التراثية وبين المفهوم الحديث لنظرية العدوى الميكروبية.

وهكذا جمع الرجل بين علوم الشريعة والتصوف والطب، وهو ما جعله واحداً من أبرز الشخصيات العلمية والفكرية في الدولة العثمانية خلال القرن الخامس عشر.

غوينوك.. المحطة الأخيرة في حياة أق شمس الدين

اختار أق شمس الدين غوينوك للإقامة في سنواته الأخيرة، وهناك واصل تعليم أبنائه ومريديه، قبل أن يتوفى في البلدة عام 1459، وفق ما تؤكده المصادر الأكاديمية والنقش الموجود على باب الضريح.

وبعد وفاته، شُيد ضريحه في غوينوك، ويشير النقش الموجود عليه إلى تاريخ البناء في عام 1463-1464، أي بعد نحو خمس سنوات من وفاته. وتذكر المصادر أن السلطان محمد الفاتح كان وراء إنشاء الضريح تكريماً لشيخه ومعلمه.

ويقع الضريح في باحة مسجد غازي سليمان باشا في حي جامع بمدينة غوينوك، ويُعد من أبرز المعالم الدينية والثقافية في المنطقة.

عمارة عثمانية تختزل البساطة والجمال

بُني الضريح من الحجر المقطوع وفق مخطط سداسي، وتغطيه قبة، فيما تتوزع على جدرانه نوافذ مستطيلة داخل تجاويف ذات أقواس مدببة. أما الصف الثاني من النوافذ فجاء بأقواس مدببة وشبكات جصية، بما يعكس خصائص العمارة العثمانية في تلك المرحلة المبكرة.

ويقع مدخل الضريح في الجهة الشمالية الشرقية داخل تجويف ذي قوس مدبب، وتوجد على واجهته كتابة تأسيسية تؤرخ للمبنى.

وفي الداخل توجد توابيت أق شمس الدين وعدد من أبنائه، فيما يُعد تابوته الخشبي المصنوع من خشب الجوز والمزين بالكتابات البارزة نموذجاً لافتاً من نماذج فن النجارة العثمانية.

ويحتفظ الضريح كذلك بمكانته باعتباره موقعاً للزيارة الدينية والثقافية، إذ تدرجه وزارة الثقافة والسياحة التركية ضمن مواقع سياحة الإيمان والتراث الثقافي في ولاية بولو.

ذاكرة حية لا تزال تتجدد

ولا تقتصر مكانة أق شمس الدين في غوينوك على التاريخ والعمارة، إذ تحولت ذكراه إلى مناسبة سنوية تجمع السكان والزوار والمهتمين بالتاريخ العثماني.

وفي يونيو/حزيران 2026، احتضنت غوينوك الدورة السادسة والثلاثين من يوم إحياء ذكرى أق شمس الدين التقليدي، بمشاركة مسؤولين محليين ومواطنين، وتضمنت الفعاليات مسيرة بمرافقة فرقة المهتران ومراسم لإحياء ذكراه وزيارة ضريحه والدعاء عنده.

وتؤكد هذه الفعاليات أن حضور أق شمس الدين لم يتحول إلى مجرد صفحة في كتب التاريخ، بل لا يزال جزءاً من الهوية الثقافية والدينية لغوينوك، التي تحتفظ بواحد من أهم مواقع الذاكرة المرتبطة بفتح إسطنبول.

شاهد على تلاقي العلم والإيمان والتاريخ

يقف ضريح أق شمس الدين اليوم في قلب غوينوك كأنه حلقة وصل بين محطات متعددة من التاريخ العثماني: من دمشق التي شهدت مولده، إلى الأناضول الذي احتضن تكوينه العلمي، وأنقرة حيث ارتبط بشيخه حاجي بيرم ولي، ثم إسطنبول التي ارتبط اسمه بفتحها، وصولاً إلى غوينوك التي اختارها موطناً أخيراً ودُفن فيها.

وتتجاوز قيمة المكان كونه ضريحاً لشخصية تاريخية؛ فهو يروي سيرة عالم رأى في العلم طريقاً إلى الإصلاح، وفي التصوف تربية للنفس، وفي الطب خدمة للإنسان، وفي فتح إسطنبول حدثاً ارتبط في الذاكرة العثمانية بالثبات والإيمان إلى جانب القوة العسكرية.

ولهذا ظل أق شمس الدين، بعد أكثر من خمسة قرون ونصف على وفاته، حاضراً في الذاكرة التركية باعتباره شيخ السلطان الفاتح، والعالم والطبيب والمتصوف الذي ارتبط اسمه بالوجه الروحي لفتح إسطنبول، فيما بقي ضريحه في غوينوك أحد الشواهد المعمارية والتاريخية التي تستعيد تلك الحقبة كلما وطئت أقدام الزائرين المكان.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!