
ترك برس
يرى الكاتب والأكاديمي التركي ياسين أقطاي أن العلاقات المتنامية بين تركيا والعالم العربي تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون تتجاوز السياسة والاقتصاد والدفاع والثقافة، لتصل إلى الجامعات ومراكز البحث العلمي، بما يمهد لتشكيل حوض أكاديمي مشترك يقوم على تنقل الطلاب والأكاديميين والباحثين، وإنتاج المعرفة بصورة جماعية لمواجهة التحديات المشتركة.
وفي مقال نشرته صحيفة "يني شفق"، يلفت أقطاي إلى أن التحولات التي شهدتها تركيا خلال العقدين الماضيين، وما حققته من حضور متزايد على الساحة الدولية، تحظى باهتمام واسع في مختلف أنحاء العالم، ولا سيما في العالمين العربي والإسلامي، حيث لا ينظر إلى التجربة التركية بوصفها تجربة جديرة بالمتابعة فحسب، بل باعتبارها أيضا مصدرا للأمل في المستقبل.
ويعتقد الكاتب أن ما حققته تركيا يرتبط، من جانب منه، بالتراكم والأداء اللذين حققهما عالمها الأكاديمي، إلا أن المسؤولية الملقاة على الجامعات التركية تذهب، بحسب رؤيته، إلى أبعد من مجرد مواكبة التحولات التي تشهدها البلاد، إذ ينبغي لها أن تضطلع بدور أكثر فاعلية وريادة في المجالات العلمية والمعرفية.
الجامعات في قلب العلاقات التركية العربية
ومع اتساع مجالات التعاون بين تركيا والدول العربية، من السياسة والاقتصاد إلى الصناعات الدفاعية والثقافة، يطرح أقطاي تساؤلا حول موقع الجامعات في هذه العلاقات المتنامية.
فمن وجهة نظره، لا يوجد ما يمنع من بناء فضاء أكاديمي واسع بين الجانبين، تتكثف داخله حركة الطلاب والأساتذة والباحثين والمعرفة، وتترسخ فيه مشاريع البحث المشترك والإنتاج العلمي المؤسسي.
ويشير الكاتب إلى أن المنطقة تمتلك في الأصل خلفية تاريخية غنية في مجال التبادل العلمي والثقافي، ما يجعل إعادة إحياء هذا التواصل في إطار جامعي حديث أمرا ممكنا. فبدلا من أن تبقى الجامعات محصورة داخل حدودها الوطنية أو أن يقتصر دورها على استقبال الطلاب من الخارج، يمكن أن تصبح جزءا من فضاء أوسع تتشارك فيه الدول الإمكانات البحثية والخبرات العلمية.
تحولات التعليم الدولي وفرصة تركيا
ويربط أقطاي هذه الرؤية بالتحولات التي يشهدها التعليم العالي على المستوى العالمي، ولا سيما في ظل القيود الجديدة التي تفرضها الولايات المتحدة على الطلاب الأجانب.
ويشير إلى أن أحد أهم مصادر التفوق العلمي والتكنولوجي الأمريكي خلال نحو قرن تمثل في قدرته على استقطاب أبرز الكفاءات والعقول من مختلف أنحاء العالم إلى جامعاته، معتبرا أن أي تراجع في هذه السياسة قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة التنقل الأكاديمي العالمي وفتح مسارات جديدة أمام دول أخرى.
وفي هذا السياق، يرى أن تركيا لا يمكن أن تبقى خارج هذه التحولات، خصوصا في ظل وصول عدد طلابها الدوليين إلى نحو 380 ألف طالب.
لكن أهمية التجربة التركية، بحسب الكاتب، لا تقتصر على الأرقام، إذ يشير إلى أن خريجي الجامعات التركية ينتشرون في دول عديدة، من سوريا وبنغلاديش إلى أفغانستان والسودان، ويتولون في بلدانهم مهام ومواقع مؤثرة، ما يعكس قدرة التعليم العالي التركي على بناء روابط إنسانية ومهنية ممتدة.
خطوة جديدة نحو تعاون مؤسسي
وفي خضم هذا النقاش، توقف أقطاي عند الاجتماع الذي عقده رئيس مجلس التعليم العالي التركي، البروفيسور أرول أوزفار، في أنقرة يوم 2 سبتمبر/ أيلول، مع ممثلي جامعة الدول العربية وسفراء الدول العربية.
وبحث اللقاء، الذي عقد تحت اسم "اجتماع التشاور للتعليم العالي"، إطلاق مرحلة جديدة ومؤسسية من التعاون بين تركيا والعالم العربي في مجالات التعليم العالي والعلوم والبحث.
وبحسب ما يستعرضه الكاتب، يتضمن البرنامج زيادة حركة الطلاب والأكاديميين والباحثين والكوادر الإدارية، إلى جانب تطوير برامج مشتركة في البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، وإنشاء مراكز بحثية وشبكات علمية مشتركة.
كما يشمل التعاون قضايا ضمان الجودة والاعتماد الأكاديمي والاعتراف بالشهادات وإجراءات المعادلة، بما يمكن أن يوفر أساسا مؤسسيا أكثر صلابة للتواصل بين جامعات تركيا والدول العربية.
البحث العلمي في مواجهة التحديات المشتركة
ويولي أقطاي أهمية خاصة للمجالات التي يستهدفها التعاون، كونها ترتبط مباشرة بتحديات الحاضر والمستقبل، ومنها الذكاء الاصطناعي والعلوم الصحية والهندسة والطاقة المتجددة والموارد المائية والزراعة والأمن الغذائي وتغير المناخ والتحول الرقمي.
ويرى أن هذه القضايا تتجاوز حدود دولة واحدة، ولا يمكن لجامعات بلد بمفرده أن تقدم حلولا كافية لها، في ظل اشتراك تركيا والعالم العربي في عدد كبير من التحديات المرتبطة بندرة المياه والغذاء والطاقة والمناخ والهجرة والتحضر، فضلا عن التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على سوق العمل.
ومن هنا، يكتسب البحث العلمي المشترك أهمية مضاعفة، بحسب رؤية الكاتب، إذ يمكن أن يحول المعرفة الأكاديمية إلى أداة لمعالجة مشكلات واقعية تواجه مجتمعات المنطقة.
وفي هذا الإطار، يشير أقطاي إلى أهمية تأكيد أوزفار أن الدراسات العلمية المشتركة ينبغي ألا تبقى حبيسة المختبرات، بل يجب أن تتحول إلى تقنيات جديدة وقدرات إنتاجية وفرص عمل مؤهلة ومنافع اجتماعية ملموسة.
من الاجتماعات إلى شراكة مستدامة
ويرى الكاتب أن أهمية المبادرة لا تكمن في عقد الاجتماعات أو توقيع البروتوكولات فحسب، بل في وجود آليات تضمن استمراريتها.
ولهذا، جرى الاتفاق على عقد المنتدى التركي العربي للتعليم العالي مرة كل عامين على الأقل، بالتناوب بين تركيا وإحدى الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، إلى جانب تشكيل مجموعة عمل تضم ثلاثة ممثلين من كل جانب لإعداد خطة عمل مشتركة.
ومن المنتظر أن تحدد هذه الخطة مجالات التعاون ذات الأولوية والأنشطة والمؤسسات المشاركة ومصادر التمويل والجدول الزمني للتنفيذ، وهو ما يراه أقطاي خطوة ضرورية للانتقال من النوايا العامة إلى مشاريع قابلة للتطبيق.
الجامعات.. الحلقة التي تحتاج إلى مزيد من التكامل
ويؤكد الكاتب أن العلاقات بين تركيا والعالم العربي شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورا كبيرا في التجارة والسياحة والسياسة والصناعات الدفاعية، لكن العلاقات بين الجامعات لم تصل، في تقديره، إلى مستوى مماثل من التنظيم والتكامل المؤسسي.
فالجغرافيا التي تجمع تركيا والدول العربية تضم مئات الجامعات وملايين الطلاب وعددا كبيرا من الباحثين وأصحاب الكفاءات العلمية، وهي موارد يرى أقطاي أنها يمكن أن تتحول إلى قوة معرفية كبيرة إذا جرى ربطها بشبكات تعاون حقيقية.
كما يدعو إلى انتقال السياسة التركية في مجال التعليم العالي الدولي إلى مرحلة جديدة، بحيث لا يقتصر الهدف على استقطاب مزيد من الطلاب إلى الجامعات التركية.
ويرى أن الطلاب الدوليين ينبغي ألا ينظر إليهم من زاوية ضيقة مرتبطة بالهجرة أو الأمن، بل باعتبارهم شركاء تركيا المستقبليين على المستويات الأكاديمية والاقتصادية والثقافية، مع ضرورة إضافة مبدأ التنقل الأكاديمي المتبادل والإنتاج المشترك للمعرفة إلى هذه الرؤية.
إرث تاريخي يمكن إحياؤه
ويستند أقطاي في دعوته إلى التعاون الأكاديمي التركي العربي إلى خلفية تاريخية مشتركة، مشيرا إلى أن مدنا مثل إسطنبول ودمشق والقاهرة وبغداد وحلب والقدس ومكة والمدينة لم تكن عبر قرون طويلة مراكز علمية منفصلة عن بعضها البعض.
فقد كانت هذه المدن، بحسب الكاتب، جزءا من فضاء علمي واسع تنقل فيه العلماء والطلاب والكتب والأفكار بين مختلف الحواضر، ما أتاح نشوء حركة معرفية عابرة للحدود.
ورغم اختلاف نظام الجامعات الحديثة والظروف التي تعمل فيها اليوم، يرى أقطاي أنه لا توجد عوائق ذهنية تحول دون إنشاء أشكال معاصرة ومؤسسية لهذا التواصل العلمي التاريخي.
ويستشهد في هذا السياق بتجربة برنامج "إيراسموس" الأوروبي، الذي أسهم في تعزيز حركة الطلاب والأكاديميين وساعد المجتمعات الأوروبية على التعرف إلى بعضها البعض بصورة أعمق.
ومن وجهة نظره، يمكن لتركيا والعالم العربي بناء نموذج خاص بهما، يتناسب مع احتياجات المنطقة وإمكاناتها، وربما يكون أكثر طموحا من حيث حجم التبادل الأكاديمي ومجالات التعاون العلمي.
المعرفة المشتركة بوصفها معيار النجاح
ويخلص الكاتب إلى أن مبادرة مجلس التعليم العالي التركي بالتعاون مع جامعة الدول العربية تمثل فرصة مهمة لتعزيز الروابط الإنسانية والتاريخية القائمة بين تركيا والعالم العربي من خلال العلم والإنتاج المعرفي المشترك.
لكنه يشدد على أن نجاح المبادرة لن يقاس بعدد الوثائق الموقعة أو اللقاءات المنعقدة، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة، مثل إطلاق برامج دكتوراه مشتركة، وإنشاء مراكز بحثية فاعلة، وتعزيز تنقل الطلاب والأساتذة، والأهم من ذلك إنتاج معرفة علمية تنعكس بصورة مباشرة على حياة المجتمعات.
وبحسب أقطاي، فإن انفتاح الجامعات التركية على العالم يمثل أحد العناصر الأساسية في انفتاح تركيا نفسها، فيما يتيح التوجه الجديد نحو العالم العربي فرصة لتدعيم العلاقات القائمة عبر شراكة علمية ومعرفية أكثر عمقا.
ومن هنا، يدعو الكاتب إلى تبني هذه المبادرة بقوة، وإلى مشاركة الجامعات التركية فيها بمشاريع تتناسب مع هذا الأفق، بما يساعد على تحويل فكرة الحوض الأكاديمي التركي العربي من تصور واعد إلى واقع مؤسسي قادر على إنتاج المعرفة ومواجهة تحديات المستقبل.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











