
ترك برس
بعد نحو عشر سنوات على وفاته، أعادت السلطات التركية فتح قبر عارف أحمد دنيز أولغون، وزير النقل التركي الأسبق وأحد أبرز قادة الجماعة المعروفة باسم «السليمانيين»، في خطوة أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن الظروف التي أحاطت بوفاته عام 2016.
وبقرار من النيابة العامة في باكيركوي بإسطنبول، فُتح قبر دنيز أولغون في مقبرة «قراجة أحمد» في 19 أغسطس/آب 2026، وأخذ خبراء الطب الشرعي عينات من رفاته لإخضاعها لفحوص جديدة بهدف تحديد السبب الحقيقي للوفاة، قبل إعادة الرفات إلى القبر في اليوم التالي.
وجاء القرار بعدما تلقت السلطات شكاوى وادعاءات تشكك في سبب وفاة الوزير السابق وفي إجراءات التشريح التي أُجريت عقب وفاته، ما دفع النيابة إلى فتح تحقيق جديد في القضية.
وفاة اعتُبرت طبيعية في 2016
توفي دنيز أولغون في سبتمبر/أيلول 2016 عن عمر ناهز 60 عاماً. وفي ذلك الوقت، خلص تقرير صادر عن معهد الطب الشرعي إلى أن الوفاة كانت طبيعية وناجمة عن نزيف في الدماغ. وكانت وكالة الأناضول قد ذكرت حينها أنه تعرض لنزيف دماغي في منزله بمنطقة بيكوز بإسطنبول وتوفي أثناء نقله إلى المستشفى.
لكن الملف عاد إلى الواجهة بعد سنوات، إثر شكاوى قدمها أقارب دنيز أولغون وتضمنت شكوكاً بشأن ملابسات وفاته وطريقة التعامل مع الجثمان والتحقيقات الأولية.
وبحسب مصادر التحقيق، أعيد في أغسطس/آب 2026 فحص صور ومقاطع فيديو التشريح الأصلي، إلى جانب السجلات الطبية وتقارير مسرح الواقعة وغيرها من الوثائق.
وأفاد تقرير خبير مؤرخ في 25 أغسطس/آب بوجود آثار إصابات وكدمات سابقة للوفاة في منطقة الصدر، معتبراً أنه لا يمكن، استناداً إلى المواد المتاحة، استبعاد احتمال تعرض دنيز أولغون لتدخل خارجي تسبب في موته. وصنّف التقرير الحالة على أنها «وفاة مشتبه بها»، من دون أن يحسم أن الرجل قُتل أو يحدد مسؤولاً عن وفاته.
وعلى إثر ذلك، أعلنت النيابة أن التحقيق مستمر بحق عدد من المشتبه بهم، من بينهم عليهان كوريش، الذي تولى قيادة الجماعة بعد وفاة دنيز أولغون، وذلك في إطار شبهة «القتل». وتظل هذه الاتهامات في مرحلة التحقيق ولم يصدر بشأنها حكم قضائي نهائي.
ماذا تبحث فحوص القبر؟
لا تقتصر الفحوص الجديدة على تحليل الحمض النووي، إذ أحيلت العينات والبيانات المستخرجة من الرفات إلى أقسام متخصصة في فحص العظام والأسنان والسموم والأحياء بمعهد الطب الشرعي التركي.
وأحيلت نتائج الفحوص الأولية والوثائق المرتبطة بها إلى المجلس التخصصي الأول في المعهد لإعداد تقرير شامل قد يساعد النيابة في تحديد سبب الوفاة بعد مرور عقد عليها.
كما كشف التحقيق عن تفاصيل جديدة تتعلق بالساعات المحيطة بالوفاة. ووفق سجلات مكالمة تعود إلى عام 2016، اتصل طبيب يُدعى نور الدين دميركول بخط الطوارئ، ووصف الوفاة حينها بأنها «مفاجئة ومشتبه بها».
لكن المحققين قالوا إن بعض إفاداته الأخيرة لم تتطابق مع تسجيلات الاتصال القديمة وسجلات الاتصالات وشهادات أخرى. وفي أحدث تطورات الملف، قررت محكمة تركية في 4 سبتمبر/أيلول 2026 حبس الطبيب احتياطياً على ذمة التحقيق بتهمة «الشهادة الكاذبة».
من هو عارف أحمد دنيز أولغون؟
جمع دنيز أولغون بين العمل السياسي ودور بارز داخل «السليمانيين». وُلد في إسطنبول عام 1956، ودرس الهندسة المعمارية قبل دخوله الحياة السياسية.
وفاز بعضوية البرلمان عن ولاية أنطاليا في انتخابات عام 1995 ممثلاً عن حزب الرفاه، ثم تولى وزارة النقل في حكومة مسعود يلماز بين أغسطس/آب 1998 ويناير/كانون الثاني 1999. وتؤكد سجلات البرلمان التركي توليه حقيبة النقل خلال تلك الفترة.
كما كان حفيد سليمان حلمي توناهان، الشخصية الدينية التي تشكلت حولها الجماعة المعروفة في تركيا باسم «Süleymancılar».
وبعد وفاة كمال كاجار عام 2000، برز دنيز أولغون بوصفه قائد الجماعة، وظل في هذا الموقع حتى وفاته في 2016، قبل أن تنتقل القيادة إلى ابن شقيقته عليهان كوريش.
وجاءت وفاة دنيز أولغون بعد أقل من شهرين من محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في 15 يوليو/تموز 2016، وهي فترة اتسمت باضطراب سياسي وأمني واسع في البلاد. لكن السلطات التركية لم تعلن وجود علاقة بين محاولة الانقلاب ووفاته.
أما ما تردد عن خلافات داخل الجماعة قبل وفاته، فيستند في جانب منه إلى أقوال أفراد من عائلته. فقد قال شقيقه، ضمن ادعاءات تناولتها وسائل إعلام تركية، إن دنيز أولغون كان قد طلب قبيل وفاته من أحد المسؤولين عن الشؤون المالية التخلي عن مناصبه في شركات مرتبطة بالمجموعة. ويجري التعامل مع هذه الروايات حالياً في إطار التحقيق ولا يمكن اعتبارها حقائق قضائية محسومة.
تحقيقات أوسع تطال دائرة القيادة الحالية
إعادة فتح ملف وفاة دنيز أولغون جاءت بالتزامن مع تحقيق منفصل وواسع تقوده النيابة العامة في أنقرة بشأن ما تصفه السلطات بـ«منظمة عليهان كوريش الإجرامية».
وتحقق السلطات في شبهات تشمل تأسيس وإدارة تنظيم إجرامي وغسل أموال والاحتيال على مؤسسات عامة ومخالفات ضريبية. وحتى 29 أغسطس/آب، قالت مصادر قضائية إن 81 شخصاً أوقفوا احتياطياً في إطار القضية، إضافة إلى وضع عشرات الشركات وعدد من الجمعيات تحت إدارة قضائية.
وأكد وزير العدل التركي أن التحقيق المالي يستهدف ما تصفه السلطات بـ«تنظيم إجرامي» مرتبط بكوريش، وليس الجماعة الدينية بوصفها جماعة دينية.
ويضيف توقيت التحقيقين أهمية خاصة لقضية دنيز أولغون، إذ تولى كوريش قيادة «السليمانيين» عقب وفاته مباشرة، فيما يسعى المحققون الآن إلى إعادة بناء ما حدث خلال الساعات الأخيرة من حياته والوقوف على أي صلة محتملة بين وفاته والخلافات التي كانت دائرة آنذاك.
وبين تقرير عام 2016 الذي صنّف الوفاة على أنها طبيعية بسبب نزيف دماغي، والتقييم الجديد الذي يصفها بأنها «مشتبه بها»، تترقب القضية تقرير الطب الشرعي النهائي بشأن العينات المأخوذة من القبر.
وحتى ظهور النتائج واستكمال التحقيقات، يبقى السؤال الذي أعاد فتح قبر الوزير السابق بعد عقد من دفنه بلا إجابة نهائية: هل مات عارف أحمد دنيز أولغون لأسباب طبيعية، أم أن وراء وفاته قصة أخرى؟
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










