
ترك برس
أعاد زعيم حزب الحركة القومية التركي دولت بهتشلي ملف الدستور الجديد إلى صدارة النقاش السياسي، بعدما دعا إلى إعادة النظر في بعض جوانب نظام الحكم الرئاسي، معتبراً أن ضمان عمله بصورة سليمة يتطلب دستوراً جديداً يتلاءم مع النظام الذي تطبقه تركيا منذ عام 2018.
وقال بهتشلي، في مقابلة مع «Habertürk» نُشرت في 5 سبتمبر/أيلول 2026، إن التجربة التي مر بها نظام الحكم خلال دورتين أظهرت أهمية مراجعة بعض جوانب التطبيق، مضيفاً أن «النظام يحتاج قبل كل شيء إلى دستور حتى يعمل بصورة سليمة».
كما دعا إلى بحث تعديلات في قانون الانتخابات وقانون الأحزاب السياسية، على أن تكون هذه التغييرات منسجمة مع أي عمل على دستور جديد، وبمشاركة السياسيين ومنظمات المجتمع المدني والأكاديميين والمثقفين.
ليست دعوة جديدة.. فلماذا يكتسب توقيتها أهمية؟
لا تكمن أهمية تصريحات بهتشلي في طرح فكرة الدستور للمرة الأولى، إذ سبق أن تبنى حزب الحركة القومية هذا الملف على مدى سنوات.
ففي مايو/أيار 2021، أعلن بهتشلي بنفسه إعداد حزبه مشروعاً متكاملاً حمل اسم «دستور جديد من 100 مادة في الذكرى المئوية للجمهورية»، وقال آنذاك إن المشروع سيُعرض أولاً على الرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية، قبل مناقشته مع القوى السياسية الأخرى.
كما أن الرئيس أردوغان وضع الملف على أجندة حزبه بصورة رسمية في مايو/أيار 2025، عندما أعلن تكليف فريق من القانونيين بالعمل على إعداد دستور جديد، وشُكلت لاحقاً لجنة برئاسة نائب الرئيس جودت يلماز لدراسة الملف.
الجديد، إذن، هو التوقيت السياسي ونبرة بهتشلي، ولا سيما قوله إن بعض جوانب نظام الحكم الرئاسي نفسه ينبغي أن تخضع للمراجعة بعد تجربته على مدار دورتين.
بهتشلي.. إشارات تحولت سابقاً إلى مسارات سياسية
ويكتسب كلام زعيم الحركة القومية وزناً إضافياً بالنظر إلى دوره داخل «تحالف الجمهور» الحاكم وعلاقته السياسية بأردوغان، فضلاً عن أن بعض المبادرات التي أطلق إشاراتها خلال السنوات الأخيرة تحولت لاحقاً إلى ملفات رئيسية على أجندة الدولة.
وأبرز الأمثلة على ذلك مسار «تركيا بلا إرهاب».
ففي 22 أكتوبر/تشرين الأول 2024، أطلق بهتشلي دعوة غير مسبوقة تتعلق بزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان وإنهاء التنظيم وإلقاء السلاح، لتتبعها سلسلة من الاتصالات والخطوات السياسية ولقاءات بين وفود حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» وأوجلان، قبل أن يتحول الملف إلى مسار سياسي وتشريعي داخل البرلمان.
وفي أغسطس/آب 2026، أقر البرلمان التركي بالفعل قانون «تعزيز التضامن الوطني والتكامل المجتمعي» المرتبط بمسار «تركيا بلا إرهاب»، بأغلبية واسعة بلغت 467 صوتاً مقابل 87 صوتاً معارضاً.
ولفت بهتشلي في المقابلة الأخيرة إلى هذه النتيجة قائلاً إنه لم يكن يتوقع شخصياً بلوغ عدد الأصوات المؤيدة 467، معتبراً ذلك دليلاً على اتساع التوافق السياسي بشأن المسار.
وهذه السابقة هي التي تمنح تصريحاته الجديدة بشأن الدستور أهمية سياسية؛ فالسؤال في أنقرة لم يعد متعلقاً فقط بما يقوله بهتشلي، بل بما إذا كانت الرسالة ستتبعها خطوات سياسية أكثر تنظيماً كما حدث في ملف «تركيا بلا إرهاب».
لماذا تريد الحكومة دستوراً جديداً؟
الدستور الحالي لتركيا يعود إلى عام 1982، وقد أُعد في أعقاب الانقلاب العسكري الذي وقع في 12 سبتمبر/أيلول 1980، ثم عُرض على استفتاء شعبي في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1982.
ورغم إدخال تعديلات واسعة عليه خلال العقود اللاحقة، لا يزال حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية يصفانه بأنه يحمل آثار الحقبة العسكرية، ويطرحان استبداله بدستور «مدني» جديد.
وتشير بيانات البرلمان التركي إلى أن دستور 1982 خضع لـ19 جولة من التعديلات، شملت عدداً كبيراً من مواده، لكن محاولات سابقة لصياغة دستور جديد بالكامل لم تصل إلى نتيجة، ومن بينها أعمال لجنة التوافق الدستوري التي شاركت فيها الأحزاب البرلمانية خلال العقد الماضي.
ويقول أردوغان إن الهدف هو منح تركيا دستوراً مدنياً وديمقراطياً يتجاوز إرث الانقلابات، فيما يرى منتقدون ومعارضون أن أي عملية دستورية جديدة ينبغي التدقيق في مضمونها وتأثيرها على توازن السلطات والنظام السياسي، كما أثيرت سياسياً تساؤلات بشأن علاقتها بمستقبل أردوغان السياسي.
ورداً على تلك الانتقادات، سبق أن قال أردوغان إن مشروع الدستور الجديد ليس هدفه «فتح طريق» شخصي أمامه، وإنه يريد دستوراً لـ«86 مليون» مواطن وليس دستوراً يتعلق بمستقبله السياسي.
من «تركيا بلا إرهاب» إلى «الدستور الجديد»؟
لهذا تُقرأ تصريحات بهتشلي في أنقرة باعتبارها أكثر من مجرد إعادة طرح لموقف قديم.
فالرجل الذي كان من أوائل من دفعوا علناً باتجاه المسار الذي أصبح لاحقاً «تركيا بلا إرهاب»، يعود الآن ليضع أمام المشهد السياسي عنواناً آخر: تطوير نظام الحكم عبر دستور جديد.
لكن الفارق أن مشروع الدستور ليس وليد التصريح الأخير؛ فالعدالة والتنمية والحركة القومية يعملان سياسياً على الفكرة منذ سنوات، وبدأ حزب أردوغان بالفعل أعمالاً تحضيرية لها منذ 2025.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي لتصريحات بهتشلي لن يكون في استمرار الحديث عن الحاجة إلى دستور جديد، بل في الخطوة التالية: هل تنتقل المبادرة من لجان حزبية وتصريحات سياسية إلى مفاوضات رسمية بين الأحزاب داخل البرلمان؟
وبين رغبة تحالف الجمهور في إنهاء العمل بدستور صيغ في ظروف ما بعد انقلاب 1980، والحاجة إلى أغلبية دستورية واسعة لا يمتلكها طرف منفرد، قد تصبح الأسابيع والأشهر المقبلة مؤشراً إلى ما إذا كان تصريح بهتشلي مجرد تأكيد لموقف قديم، أم تمهيداً لفتح أحد أكبر الملفات السياسية في تركيا.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










